واختُلِف في مأخذ هذا القول فقالت طائفةٌ: لم يتحقق دخولهم في الدين قبل التبديل، فلا يثبت لهم حكم أهل الكتاب٢. وهذا المأخذ جارٍ على أصل الشافعي، وقد عرفتَ ما فيه.
وقالت طائفةٌ أخرى: إنهم لم يدينوا بدين أهل الكتاب، بل انتسبوا إليه ولم يتمسكوا به عملًا. وهذا مأخذ علي بن أبي طالب ﵁ فإنه قال: إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر٣. وهذا المأخذ أصح وأفقه.
والقول الثاني: أنه تحلُّ مناكحتهم وذبائحهم، وهذا هو الصحيح عن أحمد، رواه عنه الجماعة، وهو آخر الروايتين عنه. قال إبراهيم بن الحارث: وكان آخر قوله أنه لا يرى بذبائحهم بأسًا٤.
وهذا قول ابن عباس ﵄٥، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁٦، وبه قال الحسن والنخعي والشعبي وعطاءٌ الخراساني والحكم
(١) انظر: "الأم" (٣/ ٦٠٦).
(٢) "المهذب" (١/ ٤٥٧).
(٣) جزء من أثر عليٍّ الذي سبق تخريجه آنفًا.
(٤) "الجامع" للخلال (٢/ ٤٤٠).
(٥) أخرجه مالك في "الموطأ" (١٤٠٧)، وابن أبي شيبة (١٦٤٥١) والطبري في "تفسيره" (٨/ ١٣٠، ١٣٢) وفي "تهذيب الآثار" (ص ٢٢٨ - مسند علي)، من طرق عنه.
(٦) أخرجه البيهقي في "السنن الكبير" (٩/ ٢١٦، ٢٨٤).
وحمادٌ وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه. قال الأثرم١: وما علمتُ أحدًا كرهه من أصحاب النبي ﷺ إلا عليًّا ﵁.
وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾[المائدة: ٦]، ولأنهم أهل كتابٍ يُقَرُّون على دينهم ببذل المال، فتحل ذبائحهم ونساؤهم كبني إسرائيل.
فصل
وقعت مسألة: وهي هل يصح ضمان الجزية عمن هي عليه أم لا؟
فكان الجواب: لا يخلو إما أن يكون الضامن مسلمًا أو كافرًا:
فإن كان مسلمًا لم يصح ضمانه؛ لأن الجزية صَغارٌ وإذلالٌ٢، فلا يجوز للمسلم أن يضمنه عن الكافر؛ لأنه يصير مطالَبًا بها، وهو فرعٌ على المضمون عنه، فلا يصح ذلك، كما لو ضمن ما عليه من العقوبة.
وإن كان الضامن ذميًّا، فإن ضمِنَها بعد الحول صح ضمانه، لأنه ضمن دَينًا مستقرًّا على من هو في ذمته، وإن كان بعرض السقوط٣ بالإسلام فهذا لا يمنع صحة الضمان، كما يصح ضمان الصداق قبل الدخول وإن كان