وحمادٌ وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه. قال الأثرم١: وما علمتُ أحدًا كرهه من أصحاب النبي ﷺ إلا عليًّا ﵁.
وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾[المائدة: ٦]، ولأنهم أهل كتابٍ يُقَرُّون على دينهم ببذل المال، فتحل ذبائحهم ونساؤهم كبني إسرائيل.
فصل
وقعت مسألة: وهي هل يصح ضمان الجزية عمن هي عليه أم لا؟
فكان الجواب: لا يخلو إما أن يكون الضامن مسلمًا أو كافرًا:
فإن كان مسلمًا لم يصح ضمانه؛ لأن الجزية صَغارٌ وإذلالٌ٢، فلا يجوز للمسلم أن يضمنه عن الكافر؛ لأنه يصير مطالَبًا بها، وهو فرعٌ على المضمون عنه، فلا يصح ذلك، كما لو ضمن ما عليه من العقوبة.
وإن كان الضامن ذميًّا، فإن ضمِنَها بعد الحول صح ضمانه، لأنه ضمن دَينًا مستقرًّا على من هو في ذمته، وإن كان بعرض السقوط٣ بالإسلام فهذا لا يمنع صحة الضمان، كما يصح ضمان الصداق قبل الدخول وإن كان
(١) انظر: "الجامع" للخلال (٢/ ٤٤٠).
(٢) "وإذلال" ساقطة من المطبوع.
(٣) في المطبوع: "بمعرض من السقوط".
بعرض سقوطه كله أو نصفه، و[يصح] ضمان ثمن المبيع١ قبل قبضه، وإن كان بصدد السقوط بتلفه.
وإن ضمنها قبل الحول فهذا ينبني على ضمان ما لم يجب، والجمهور يصحِّحونه والشافعي يُبطِله، فإذا صححناه صحَّ ضمان الذمي للجزية، كما يصح ضمان ما يُدايِنه به أو ما يُتلِفه عليه، وغايته أنه ضمانٌ معلَّقٌ بشرطٍ، وذلك لا يُبطله، فإن الضمان يجري مجرى النذر، فإنه التزامٌ، فلا يُنافيه التعليق بالشرط.
ولأصحاب الشافعي وجهان في صحة ضمان المسلم للجزية عن الذمي.
قال بعضهم: وذلك مبنيٌّ على أنه هل يجب عند أداء الجزية الصَّغارُ من جَرِّ اليد والانتهار والإذلال أم لا؟ فإن أوجبناه لم يصح الضمان، وإن لم نُوجِبه صح.
قال الجويني في "نهايته"٢: والأصح عندي تصحيح الضمان، فإن ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه.
قلت: وعلى هذا المأخذ فينبغي أن لا يصح ضمان الذمي أيضًا للجزية؛ لأنه يُفضي إلى سقوط الصَّغار عن المضمون عنه إذا أدَّى الضامن، كما أجْرَوا الخلافَ في توكيل الذميِّ الذميَّ في أداء الجزية عنه.