أحكام أهل الذمة

وإن تحمَّل بها ذمي آخر عنه احتمل وجهين.

والذي يظهر في هذا كله: التفصيل في مسألة الحوالة والحمالة والضمان والتوكيل في الدفع، أنه إن فعله لعذرٍ من مرضٍ أو غَيبةٍ أو حبسٍ ونحوه جاز، وإن فعله غيرةً وأنفةً وهربًا من الصَّغار لم يجز ذلك، والله أعلم.

فصل في السَّامرة

واختلاف الفقهاء فيهم: هل يُقَرُّون بالجزية أم لا؟

فذهب الجمهور إلى إقرارهم بالجزية، وتردَّد الشافعي فيهم، فمرةً قال: لا تؤخذ منهم الجزية، وقال في موضع آخر: تؤخذ منهم١.

وقال في "الأم"٢: يُنظر في أمرهم فإن كانوا يوافقون اليهود في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع لم تضرَّ مخالفتهم، فيُقَرُّون على دينهم فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يُقَرُّوا على دينهم ببذل الجزية. هذا نقل الربيع عنه.

وأما المزني٣ فنقل عنه أنهم صنفٌ من اليهود فتؤخذ منهم الجزية.

واختلف أصحابه في حكمهم، فقال بعضهم: يقرون بالجزية، وقال بعضهم: لا يقرون بها. وقال أبو إسحاق المروزي: لم يكن الشافعي يعرف

  1. (١) انظر: "نهاية المطلب" (١٨/ ١١).
  2. (٢) (٥/ ٤٣٥) بمعناه.
  3. (٣) في "مختصره" (ص ٣٨٤).
127

حقيقة أمر دينهم، فتوقف في ذلك، ثم بان له أنهم من جملة أهل الكتاب، فرجع إلى ذلك وألحقهم بهم١.

وهذا الذي قاله المروزي هو الصواب المقطوع به، وغَلِط من قال: لا يقرون بالجزية ويقر المجوس بها لأن لهم شبهة كتابٍ. وهذا من العجب أن يُقَرَّ قومٌ يعبدون النار، ويعتقدون أن للعالم إلهينِ اثنين النور والظلمة، ولا يؤمنون ببعثٍ ولا نشورٍ، ولا أن الله يبعث من في القبور، ويرون نكاح الأمهات والبنات، ولا يؤمنون برسولٍ ولا يحرِّمون شيئًا مما يحرِّمه الأنبياء؛ ولا يُقَرُّ السامرة بالجزية مع أنهم يؤمنون بموسى والتوراة، ويَدينون بها، ويؤمنون بالمعاد والجنة والنار، ويصلُّون صلاة اليهود ويصومون صومهم، ويستنُّون بسنتهم، ويقرؤون التوراة، ويحرِّمون ما يحرِّمه اليهود، ولا يخالفون اليهود في التوراة ولا في موسى وإن خالفوهم في الإيمان بالرسل، فإن السامرة لا يؤمنون بنبي غير موسى وهارون ويوشع وإبراهيم فقط، ويخالفونهم في القبلة، فاليهود تصلِّي إلى بيت المقدس، والسامرة تصلِّي إلى جبل عزون٢ ببلد نابلوس،

  1. (١) "نهاية المطلب" (١٨/ ١٢).
  2. (٢) كذا في الأصل، وفي "الملل والنحل" للشهرستاني (ص ٢٢٠): "غريزيم". ويقال: "جريزيم"، وفي الترجمة العربية للعهد القديم: "جرزيم". وهو جبل يقع جنوبي مدينة نابلس، وتسكن الطائفة السامرية على قمته. انظر: "خطط الشام" لكرد علي (٦/ ٢١٤). أما عزون فهي بلدة في الضفة الغربية جنوبي مدينة نابلس. وانظر عن "السَّامرة": "مروج الذهب" (١/ ٥٩) و"الفصل" (١/ ٨٢)، و"المواعظ والاعتبار" (٤/ ٣٨٤، ٣٨٥). ومناظرة المؤلف مع أحدهم في "بدائع الفوائد" (٤/ ١٦٠٦، ١٦٠٧).
128

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي