وتزعم أنها القبلة التي أمر الله موسى أن يستقبلها، وأنهم أصابوها وأخطأتها اليهود، وأن الله أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلوس، وهو عندهم الطور الذي كلَّم الله عليه موسى، فخالفه داود وبناه بإيليا، فتعدَّى وظلَمَ بذلك. ولغتهم قريبةٌ من لغة اليهود وليست بها.
وهم فرقٌ كثيرةٌ تشعَّبت عن فرقتين: دوسانيةٍ وكوسانيةٍ١.
فالكوسانية تُقِرُّ بالمعاد وحشر الأجساد والجنة والنار، والدوسانية تزعم أن الثواب والعقاب في الدنيا. وبينهما اختلافٌ في كثيرٍ من الأحكام.
وهذه الأمة من أقلِّ الأمم في الأرض وأحمقها، وأشدِّها مجانبةً للأمم، وأعظمِها آصارًا وأغلالًا. وإذا أردتَ معرفة نسبتهم إلى اليهود فهم فيهم كالرافضة في المسلمين.
وهذه الأمة لم تحدث في الإسلام، بل هي أمةٌ موجودةٌ قبل الإسلام وقبل المسيح، وقد فتح الصحابة الأمصار، فأجمعوا على إقرارهم بالجزية، وكذلك الأئمة والخلفاء بعدهم، فعدمُ إقرارهم بالجزية تخطئةٌ لهم، وهذا مما لا سبيلَ إليه.
فصل في الصابئة
وقد اختلف الناس فيهم اختلافًا كثيرًا٢، وأشكل أمرهم على الأئمة
(١) في "الملل والنحل" (ص ٢١٩): "دوستانية وكوستانية".
فقال الشافعي١ رحمه الله تعالى: هم صنفٌ من النصارى. وقال في موضع: يُنظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين ولكنهم يخالفونهم في الفروع لم تضرَّ مخالفتهم٢ فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يُقَرُّوا على دينهم ببذل الجزية.
واختلف أصحابه٣ فقال أبو سعيد٤ الإصطخري: ليسوا من النصارى، ولا يجوز إقرارهم على دينهم، قال: لأنهم يقولون: إن الفلك حيٌّ ناطقٌ، وإن الكواكب السبعة آلهةٌ، فهم في حكم عبدة الأوثان.
واستفتى القاهر بالله العباسي الفقهاء فيهم، فأفتاه أبو سعيد أنهم لا يُقَرُّون، فأمر بقتلهم، فبذلوا مالًا عظيمًا فتركهم.
وأما أقوال السلف فيهم: فذكر سفيان عن ليثٍ عن مجاهدٍ قال: هم قومٌ بين اليهود والمجوس ليس لهم دينٌ٥.