فقال الشافعي١ رحمه الله تعالى: هم صنفٌ من النصارى. وقال في موضع: يُنظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين ولكنهم يخالفونهم في الفروع لم تضرَّ مخالفتهم٢ فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يُقَرُّوا على دينهم ببذل الجزية.
واختلف أصحابه٣ فقال أبو سعيد٤ الإصطخري: ليسوا من النصارى، ولا يجوز إقرارهم على دينهم، قال: لأنهم يقولون: إن الفلك حيٌّ ناطقٌ، وإن الكواكب السبعة آلهةٌ، فهم في حكم عبدة الأوثان.
واستفتى القاهر بالله العباسي الفقهاء فيهم، فأفتاه أبو سعيد أنهم لا يُقَرُّون، فأمر بقتلهم، فبذلوا مالًا عظيمًا فتركهم.
وأما أقوال السلف فيهم: فذكر سفيان عن ليثٍ عن مجاهدٍ قال: هم قومٌ بين اليهود والمجوس ليس لهم دينٌ٥.
(٤) في الأصل: "أبو سعد" خطأ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" للسبكي (٣/ ٢٣٠).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٧) عن سفيان به. وأخرجه الطبري (٢/ ٣٥، ٣٦) وابن أبي حاتم (١/ ١٢٧، ١٢٨) من طرقٍ عنه بنحوه.
وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: الصابئة قومٌ يعبدون الملائكة١.
قال محمد بن جريرٍ٢: واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل، فقال بعضهم: يلزم كلَّ من خرج من دينٍ إلى غير دينٍ. وقالوا: الذي عنى الله بهذا الاسم قومٌ لا دينَ لهم.
ثم ذكر عن عبد الرزاق عن سفيان عن ليثٍ عن مجاهدٍ قال: الصابئون قومٌ ليسوا يهودَ ولا نصارى، ولا دينَ لهم.
وحكى عن حجاجٍ عن مجاهدٍ قال: الصابئون بين المجوس واليهود، لا تُؤكل ذبائحهم ولا تُنكح نساؤهم.
وقال ابن جريجٍ: قلت لعطاءٍ: الصابئون زعموا أنهم ليسوا بمجوسٍ ولا يهود ولا نصارى، قال: قد سمعنا ذلك.
وقال ابن وهبٍ: قال ابن زيدٍ: الصابئون أهل دينٍ من الأديان كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتابٌ ولا نبي إلا قول "لا إله إلا الله"، قال: ولم يؤمنوا برسولٍ لله ﷿، فمِن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يُشبِّهونهم بهم.
(١) لم أجده من طريق شيبان، وقد أخرجه الطبري (٢/ ٣٧، ١٦/ ٤٨٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه ــ وسيأتي قريبًا ــ، ومن طريق معمر عنه.
(٢) في "تفسيره" (٢/ ٣٥ - ٣٧)، والآثار الآتية كلها منه.