أحكام أهل الذمة

وقال سعيد عن قتادة: هم يعبدون الملائكة، ويُصلُّون إلى القبلة، ويقرؤون الزبور.

وقال سفيان عن السدِّي: هم طائفةٌ من أهل الكتاب.

وقال ابن جريرٍ١: الصابئ المستحدِث سوى دينه دينًا، كالمرتدِّ من أهل الإسلام عن دينه، وكلُّ خارجٍ من دينٍ كان عليه إلى آخَر غيرِه تُسمِّيه العرب صابئًا، يقال منه: صبأ فلانٌ يصبأ صبأً، ويقال: صَبَأتِ النجوم إذا طلعت، وصَبَأ علينا فلانٌ إذا طلع.

قلت: الصابئة أمةٌ كبيرةٌ فيهم السعيد والشقي، وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمنٍ وكافرٍ، فإن الأمم قبل مبعث النبي ﷺ نوعان:

نوع كفّارٌ أشقياء كلهم ليس فيهم سعيد، كعبدة الأوثان والمجوس.

ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي، وهم اليهود والنصارى والصابئة.

وقد ذكر الله سبحانه النوعين في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. وكذلك قال في المائدة٢.

  1. (١) في "تفسيره" (٢/ ٣٤).
  2. (٢) الآية ٦٩: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
132

وقال في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، فلم يقل هاهنا: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر)؛ لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا، فذكر ستَّ أممٍ، منهم اثنتان شقيتان، وأربع أممٍ منقسمة إلى شقي وسعيد، وحيث وعد أهل الإيمان والعمل الصالح منهم بالأجر ذكرهم أربع أممٍ ليس إلا. ففي آية الفصل بين الأمم أدخل معهم الأمتين، وفي آية الوعد بالجزاء لم يدخلهما معهم، فعُلِم أن الصابئين فيهم المؤمن والكافر والشقي والسعيد.

وهذه أمةٌ قديمةٌ قبل اليهود والنصارى، وهم أنواعٌ: صابئةٌ حنفاء وصابئةٌ مشركون. وكانت حرَّان دارَ مملكة هؤلاء قبل المسيح، ولهم كتبٌ وتآليف وعلومٌ، وكان في بغداد منهم طائفةٌ كبيرةٌ، منهم إبراهيم بن هلالٍ الصابئ١ صاحب الرسائل، وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين، وأكثرهم فلاسفةٌ، ولهم مقالاتٌ مشهورةٌ ذكرها أصحاب المقالات٢.

وجملة أمرهم أنهم لا يكذِّبون الأنبياء ولا يوجبون اتباعهم، وعندهم أن من اتبعهم فهو سعيد ناجٍ، وأن من أدرك بعقله ما دَعَوا إليه فوافقَهم فيه

  1. (١) من الكتّاب المشهورين، توفي سنة ٣٨٤. انظر ترجمته في "يتيمة الدهر" (٢/ ٢٤٢ وما بعدها)، و"معجم الأدباء" (١/ ١٣٠ - ١٥٨)، و"وفيات الأعيان" (١/ ٥٢ - ٥٤، ٣٩٢ - ٣٩٣) وغيرها.
  2. (٢) انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني (ص ٢٥٩ وما بعدها). وقد اعتمد عليه المؤلف في بيان عقائدهم.
133

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي