ليحصل لنفوسنا استعدادٌ إلى الاستمداد العالي من غير واسطةٍ، فيكون حكمنا وحكم الأنبياء في ذلك واحدًا.
قالوا: والأنبياء أَتَوا بتزكية النفوس وتهذيبها وتطهير الأخلاق من الرذائل، فمن أطاعهم فهو سعيد.
قالوا: والروحانيات هي الأسباب المتوسطة في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حالٍ إلى حالٍ، وهي تستمدُّ القوة من الحضرة القدسية، وتُفِيض الفيضَ على الموجودات السُّفلية، فمنها مدبِّرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهي هياكلها، فلكل روحاني هيكلٌ وهو فلكٌ، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختصَّ به نسبة الروح إلى الجسد، فهو ربُّه ومُدِيره١ ومدبِّره.
ويقولون: الهياكل آباءٌ، والعناصر أمهاتٌ، فتفعل الروحانياتُ تحريكَها على قدرٍ مخصوصٍ، ليحصل من حركتها انفعالاتٌ في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيباتٌ وامتزاجاتٌ في المركبات، فتتبعها قُوًى نفسانية٢، وتركبت عليها نفوسٌ روحانيةٌ مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان٣، ثم قد تكون التأثيرات كليةً صادرةً عن روحاني كلي، وقد تكون جزئيةً صادرةً عن روحاني جزئي. ومنها مدبِّرات الآثار العُلْوية الظاهرة في
(١) "ومديره" ساقطة من المطبوع، وهي ثابتة في الأصل و"الملل والنحل" (ص ٢٦١).
قالوا: ومدبّراتٌ هاديةٌ شائعة١ في جميع الكائنات حتى لا يُرى موجودٌ٢ ما خالٍ عن قوةٍ وهدايةٍ بحسب قبوله واستعداده.
وأما أحوال الروحانيات من الرَّوح والريحان والنعمة واللذة والراحة والبهجة والفرح والسرور في جِوار ربِّ الأرباب فمما لا يخطر على قلب بشرٍ، طعامهم وشرابهم: التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد، وأنسهم بذكر الله تعالى وطاعته، فهم بين قائمٍ وراكعٍ وساجدٍ وقاعدٍ لا يريد تبديل حالته التي هو فيها بغيرها، إذ لذته وبهجته وسروره فيما هو فيه.
قالوا٣: والروحانيات مبادئ الموجودات وموادُّ الأرواح٤، والمبادئ أشرف ذاتًا وأسبق وجودًا وأعلى رتبةً من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها، فعالَمها عالَمُ الكمال، والمبدأ منها والمعاد إليها، والمصدر عنها والمرجع إليها، والأرواح إنما٥ نزلت من عالمها، حتى
(١) في المطبوع: "سارية" خلاف الأصل.
(٢) في الأصل والمطبوع: "بوجود". والتصويب من "الملل والنحل" الذي نقل عنه المؤلف.