قالوا: ومدبّراتٌ هاديةٌ شائعة١ في جميع الكائنات حتى لا يُرى موجودٌ٢ ما خالٍ عن قوةٍ وهدايةٍ بحسب قبوله واستعداده.
وأما أحوال الروحانيات من الرَّوح والريحان والنعمة واللذة والراحة والبهجة والفرح والسرور في جِوار ربِّ الأرباب فمما لا يخطر على قلب بشرٍ، طعامهم وشرابهم: التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد، وأنسهم بذكر الله تعالى وطاعته، فهم بين قائمٍ وراكعٍ وساجدٍ وقاعدٍ لا يريد تبديل حالته التي هو فيها بغيرها، إذ لذته وبهجته وسروره فيما هو فيه.
قالوا٣: والروحانيات مبادئ الموجودات وموادُّ الأرواح٤، والمبادئ أشرف ذاتًا وأسبق وجودًا وأعلى رتبةً من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها، فعالَمها عالَمُ الكمال، والمبدأ منها والمعاد إليها، والمصدر عنها والمرجع إليها، والأرواح إنما٥ نزلت من عالمها، حتى
(١) في المطبوع: "سارية" خلاف الأصل.
(٢) في الأصل والمطبوع: "بوجود". والتصويب من "الملل والنحل" الذي نقل عنه المؤلف.
(٣) انظر: "الملل والنحل" (ص ٢٨٤).
(٤) في "الملل والنحل": "وعالمها معاد الأرواح".
(٥) في الأصل: "لها". والتصويب من "الملل والنحل".
اتصلت بالأبدان، وتوسَّخت بأوضار الأجسام، ثم طهرتْ عنها بالأخلاق الزكية والأعمال المرضية، حتى انفصلت عنها فصعدت إلى عالمها الأول، فالنزول هو النشأة الأولى، والصعود هو النشأة الأخرى.
قالوا١: وطريقنا في التوسل إلى حضرة٢ القدس ظاهرٌ وشرعنا معقول، فإن قُدماءنا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصًا في مقابلة الهياكل العلوية على نِسَبٍ وإضافاتٍ وهيآتٍ٣ وأحوالٍ وأوقاتٍ مخصوصةٍ، وأوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العُلويات لباسًا وبخورًا وأدعيةً مخصوصةً وعزائم، تقرَّبوا بها٤ إلى رب الأرباب ومسبِّب الأسباب، وتلقينا ذلك عن عاذيمون٥ وهرمس.
فهذا بعض ما نقله أرباب المقالات من دين الصابئة، وهو بحسب ما وصل إليهم، وإلا فهذه الأمة فيهم المؤمن بالله وأسمائه وصفاته وملائكته ورسله واليوم الآخر، وفيهم الكافر، وفيهم الآخذ من دين الرسل بما وافق عقولهم واستحسنوه، فدانوا به ورَضُوه لأنفسهم، وعقْدُ أمرِهم أنهم يأخذون بمحاسنِ ما عند أهل الشرائع بزعمهم، ولا يوالون أهلَ ملةٍ ويعادون أخرى، ولا يتعصَّبون لملّةٍ على ملّةٍ، والملل عندهم نواميسُ لمصالح العالَم، فلا
(١) "الملل والنحل" (ص ٢٨٦).
(٢) في الأصل: "حضيرة". والمثبت موافق لما في "الملل والنحل".
(٣) "وهيآت" ساقطة من المطبوع.
(٤) في المطبوع: "يقربونها" خلاف ما في الأصل و"الملل والنحل".
(٥) في الأصل: "عاديموت". والتصويب من "الملل والنحل".