حكى في ذلك وجهين فقال١: وفيمن٢ أسلم في الحول أو مات أو جُنَّ جنونًا مُطْبقًا أو أُقعِد أو عَمِي وجهان.
فإن قيل: فإن اتفق اجتماع ديون الآدميين والجزية فهل تُقدَّم الجزية أو الديون؟
قيل: أما أصحاب الشافعي فبنَوا ذلك على الأصل وقالوا٣: يُنحَى٤ بالجزية نحوَ٥ حقوق الله كالزكاة، أو يُنْحَى٦ بها نحو حقوق الآدميين وليست من القُرَب، فعلى هذا تقع المحاصَّة بينها وبين غيرها من الديون.
ومنهم من قال: هي من حقوق الله، فإنه لا مستحقَّ لها معيَّنًا ولا تسقط بإسقاط الآدمي، وهي عقوبةٌ على الكفر وصَغارٌ لأهله.
وعلى هذا فيخرج على الأقوال الثلاثة في تقديم حقّ الله أو حقّ الآدمي أو وقوع المحاصَّة.
ولأصحاب أحمد أيضًا ثلاثةُ أوجهٍ مثل هذه٧.
(١) في "الرعاية الكبرى" (٢/ق ٣١ أ) نسخة تشستربيتي ٣٥٤١.
(٢) في الأصل: "ومن". والتصويب من "الرعاية".
(٣) انظر: "نهاية المطلب" (١٨/ ٣٣).
(٤) قبلها في الأصل: "هذا". ولا موقع لها، وكأنها زائدة.
(٥) في المطبوع: "مستحق بالجزية يحق" تحريف.
(٦) في المطبوع: "ويحق" تحريف.
(٧) كما في "الرعاية الكبرى" (٢/ ٣١ أ).
فصل
في الجزية والخراج وما بينهما من اتفاقٍ وافتراقٍ
الخراج هو جزية الأرض، كما أن الجزية خراج الرقاب، وهما حقّان على رقاب الكفار وأرضِهم للمسلمين، ويتفقان في وجوهٍ ويفترقان في وجوهٍ١.
فيتفقان في: أن كلًّا منهما مأخوذٌ من الكفار على وجه الصَّغار والذلة، وأن مصرفهما مصرف الفيء، وأنهما يَجِبان في كل حولٍ مرةً، وأنهما يسقطان بالإسلام، على تفصيلٍ نذكره إن شاء الله تعالى.
ويفترقان في: أن الجزية ثبتت بالنص، والخراج بالاجتهاد. وأن الجزية إذا قُدِّرت على الغني لم تزد بزيادة غناه، والخراج يُقدَّر بقدر كثرة الأرض وقلَّتها. والخراج يجامع الإسلام حيث نذكره إن شاء الله تعالى، والجزية لا تجامعه بوجهٍ؛ ولذلك يجتمعان تارةً في رقبة الكافر وأرضِه ويسقطان تارةً، وتجب الجزية حيث لا خراجَ، والخراج حيث لا جزيةَ.
ونحن نذكر كيف أصل الخراج وابتداء وضْعِه وأحكامه، فنقول:
الأرض ستة أنواعٍ:
أحدها: أرضٌ استأنف المسلمون إحياءها، فهذه أرضُ عُشْرٍ، ولا يجوز أن يوضع عليها خراجٌ بغير خلافٍ بين الأئمة.