الخراج هو جزية الأرض، كما أن الجزية خراج الرقاب، وهما حقّان على رقاب الكفار وأرضِهم للمسلمين، ويتفقان في وجوهٍ ويفترقان في وجوهٍ١.
فيتفقان في: أن كلًّا منهما مأخوذٌ من الكفار على وجه الصَّغار والذلة، وأن مصرفهما مصرف الفيء، وأنهما يَجِبان في كل حولٍ مرةً، وأنهما يسقطان بالإسلام، على تفصيلٍ نذكره إن شاء الله تعالى.
ويفترقان في: أن الجزية ثبتت بالنص، والخراج بالاجتهاد. وأن الجزية إذا قُدِّرت على الغني لم تزد بزيادة غناه، والخراج يُقدَّر بقدر كثرة الأرض وقلَّتها. والخراج يجامع الإسلام حيث نذكره إن شاء الله تعالى، والجزية لا تجامعه بوجهٍ؛ ولذلك يجتمعان تارةً في رقبة الكافر وأرضِه ويسقطان تارةً، وتجب الجزية حيث لا خراجَ، والخراج حيث لا جزيةَ.
ونحن نذكر كيف أصل الخراج وابتداء وضْعِه وأحكامه، فنقول:
الأرض ستة أنواعٍ:
أحدها: أرضٌ استأنف المسلمون إحياءها، فهذه أرضُ عُشْرٍ، ولا يجوز أن يوضع عليها خراجٌ بغير خلافٍ بين الأئمة.
(١) انظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي (ص ٢٢١).
قال أبو الصقر١: سألت أحمد عن أرضٍ مَواتٍ في دار الإسلام لا يُعرف لها أربابٌ، ولا للسلطان عليها خراجٌ، أحياها رجل من المسلمين؟ فقال: من أحيا أرضًا مَواتًا في غير السواد كان للسلطان عليه فيها العشر، ليس عليه غير ذلك.
وقال في رواية ابن منصورٍ٢: والأرضون التي يملكها ربُّها ليس فيها خراجٌ، مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد٣ لسعدٍ وابن مسعودٍ [وخبَّابٍ].
وقد استشكل القاضي٤ هذا النص، وتأوله على أنَّ عثمان أقطعَهم منافعَها، وأسقط الخراج على وجه المصلحة؛ لأن أرض السواد فُتِحتْ عَنْوةً فهي خراجيةٌ، وظاهر النص أن هذه الأرض قد صارت ملكًا لهم بإقطاع الإمام، وإذا ملكوها ملكوها٥ بمنافعها، والخراج من جملة منافعها، فإنه جارٍ مجرى الأجرة، فيملكونه بمِلْك منافعها، إذ لا يجب للإنسان على نفسه خراجٌ، فكأنه ملَّكهم الأرضَ وخراجَها.
(١) كما في "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى (ص ١٦٢).
(٢) المصدر نفسه (ص ١٦٣). ومنه الزيادة بين معكوفتين. وهو في "المسائل" بروايته (١/ ٢٤٥).