أحكام أهل الذمة

والمساقاة١ من الفقهاء من يمنعها كأبي حنيفة، ومنهم من يخصُّها بالنخل والكَرْم، ومن جوَّزها في جميع الشجر٢. فقد تتعذر عليه المساقاة في بستانه، والرجل الذي له غرضٌ في الثمار قد لا يُحسِن٣ المساقاة، فتتعطل مصلحة صاحب البستان ومصلحة المستأجر، وفي هذا فسادٌ لا تأتي به الشريعة.

ومصلحة الإجارة أعظم مما يقدر فيها من الفساد بكثيرٍ، والشريعة جاءت بتقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة.

ولما كانت مصالح الناس لا تتم إلا بذلك وضع المانعون حيلًا للجواز، بأن يُؤجِروه بياضَ الأرض بأضعافِ أضعافِ ما تساوي، ثم يساقونه على ثمر الشجر بأدنى أدنى ما يكون، فلا الإجارة مقصودةٌ لهما ولا المساقاة، فقد دخلا على عقدٍ لم يقصده واحدٌ منهما، فالذي قصده هذا وهذا حرامٌ، والذي عقدا عليه لم يقصداه. ولم تكن هذه المسألة من مقصود الكتاب، وإنما وقعت في طريق الخراج الذي هو أخو الجزية وشقيقها.

وقد أشار النبي ﷺ إلى الخراج في الحديث الصحيح المتفق عليه٤

  1. (١) هي أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعملِ سائر ما يحتاج إليه، بجزء معلوم له من ثمره.
  2. (٢) انظر: "المغني" (٧/ ٥٣٠).
  3. (٣) في هامش الأصل: "يمس" بعلامة خ.
  4. (٤) كذا، وإنما أخرجه مسلم (٢٨٩٦) من حديث أبي هريرة، ولم يخرجه البخاري.
159

من حديث أبي هريرة ﵁ فقال: "مَنَعتِ العراقُ درهمَها وقَفيزَها١، ومنعت الشام دينارها ومُدْيَها٢، ومنعتْ مصر دينارها وإردَبَّها٣، وعُدتم كما بدأتم" ثلاث مراتٍ. والمعنى: سيُمْنَع ذلك في آخر الزمان٤.

فصل٥

فأما قدر الخراج المضروب فمعتبرٌ بما تحتمله الأرض، نصَّ عليه أحمد في رواية أحمد بن داود٦، وقد سئل عن حديث عمر ﵁: وضع على جريب الكَرْم كذا، وعلى جريب الزرع كذا، أهو شيء موظَّفٌ٧ على الناس لا يُزاد عليهم أو إن رأى الإمام غيرَ هذا زاد ونقص؟ قال: بل هو على رأي الإمام، إن شاء زاد عليهم وإن شاء نقص. وقال: وهو بيِّنٌ في حديث عمر

  1. (١) القفيز: مكيال معروف لأهل العراق، وهو ثمانية مكاكيك، والمكُّوك صاع ونصف.
  2. (٢) المُدْي: مكيال معروف لأهل الشام، يسع خمسة عشر مكُّوكًا.
  3. (٣) الإردبُّ: مكيال معروف لأهل مصر، يسع أربعة وعشرين صاعًا.
  4. (٤) هذا الحديث من أعلام النبوة، فإن هذه الأقطار الثلاثة لم تكن قد فتحت في عصر النبوة، ففيه إشارة إلى أنها ستُفتح ويجيء حقّ بيت المال من أموالها وغلّاتها، ثم تحدث الفتن وينقطع عنها ذلك. وهذا ما حدث بسبب ضعف الدولة الإسلامية المركزية وتفككها.
  5. (٥) اعتمد فيه المؤلف على "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى (ص ١٦٥ - ١٦٧).
  6. (٦) كذا في الأصل. وعند أبي يعلى: "محمد بن داود". وكلاهما من تلاميذ الإمام أحمد كما في "طبقات الحنابلة" (١/ ٤٣، ٢٩٦)، إلَّا أن محمدًا أشهر، فقد كان من خواصّ أصحابه ورؤسائهم، وكان الإمام يكرمه ويحدّثه بأشياء لا يحدِّث بها غيره.
  7. (٧) من: وظَّف عليه الخراجَ ونحوه: قدَّره وألزمه. وعند أبي يعلى: "موصوف" تحريف.
160

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي