وقال: خراج السواد ــ في١ حديث عمرو بن ميمونٍ ــ قفيزٌ ودرهمٌ.
قال الخلال في "جامعه"٢: أبو عبد الله يقول: إن للإمام النظر في ذلك؛ فيزيد عليهم وينقص على قدر ما يُطيقون. وقد ذكر ذلك عنه غير واحدٍ، وما قاله عباس الخلال عن أبي عبد الله فهو قولٌ أوَّل له، انتهى.
وقد اختلفت الرواية عن عمر ﵁ في قدر الخراج، ففي حديث عمرو بن ميمونٍ قال: شهدت عمر بن الخطاب ﵁ وأتاه ابن حُنيفٍ فجعل يكلِّمه، فسمعناه يقول له: آللهِ٣ لئن وضعتُ على كل جريبٍ من الأرض درهمًا وقفيزًا لا يُجهِدها٤.
وفي حديث محمد بن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر على أهل السواد على كل جريبٍ عامر أو غامرٍ درهمًا وقفيزًا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم٥.
وذكر الشعبي عن عمر أنه بعث عثمان بن حُنيفٍ إلى السواد، فوضع على جريب الشعير درهمين، وعلى جريب الرطبة أربعة دراهم، وعلى
(١) كذا في الأصل. وفي هامشه: "على" بعلامة خ. وكذا عند أبي يعلى.
(٢) لم أجده في المطبوع منه، والمؤلف ينقل عن "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى.
(٣) في المطبوع: "تالله" خلاف ما في الأصل و"الأحكام السلطانية".
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٠٨، ١٩١) وابن أبي شيبة (٣٣٣٨٨) وأبو القاسم البغوي في "مسند ابن الجعد" (١٤٨) والبيهقي (٩/ ١٩٦).
(٥) تقدَّم.
جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانيةً، وعلى جريب الكَرْم عشرةً١.
هذا ما حكاه أبو عبيد. قال أحمد٢: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمونٍ.
وهذا الاختلاف عن عمر ﵁ يدلُّ على أن الخراج ليس بمقدَّرٍ شرعًا بحيث لا تجوز فيه الزيادة ولا النقصان، بل هو باعتبار الطاقة. ويجب أن يكون وضع الخراج مُراعًى في كل أرضٍ بحسب ما تحتمله، وذلك يختلف من جهة جودة الأرض ورداءتها ومن جهة الزرع والشجر، فإن منه ما تكثر قيمته ومنه ما تَقِلُّ، ومن جهة خفَّة مؤونة السقي وكثرتها، فإن منها ما يشرب بالدَّوالي والنَّواضِح٣، ومنها ما يشرب بالأمطار والأنهار، فلا بدَّ لواضع الخراج من اعتبار هذه الأوصاف، ليعلم قدر ما تحتمله الأرض، فيقصد العدل في وضعه، فلا يُجحِف بأربابها ولا بمستحقي الخراج. ويجب عليه أن يدعَ لأرباب الأرض بقيةً يَجْبُرون بها النوائب والجوائح، كما أمر النبي ﷺ في خرص الثمار في الزكاة أن يترك لأهل النخل الثلث أو الربع٤،
(١) تقدَّم.
(٢) كما في "الأحكام السلطانية" (ص ١٦٦).
(٣) الدوالي جمع دالية، وهي الناعورة أو الساقية يديرها الماء أو الحيوان. والنواضح جمع ناضح، دابة يُستقى عليها.
(٤) كما عند أحمد (١٥٧١٣) وأبي داود (١٦٠٥) والترمذي (٦٤٣) والنسائي (٢٤٩١) وابن خزيمة (٢٣١٩) وابن حبان (٣٢٨٠) والحاكم (١/ ٤٠٢) من حديث عبد الرحمن بن مسعود بن نيار عن سهل بن أبي حثمة مرفوعًا. وعبد الرحمن هذا لم يوثِّقه معتبر، وبه أعل الحديث ابنُ القطان في "بيان الوهم" (٤/ ٢١٥) والألباني في "ضعيف أبي داود - الأصل" (٢/ ١١٥). ثم إنه قد خولف في رفعه، فقد أخرجه مسدد (٩٢٢ - المطالب) والحاكم (١/ ٤٠٣) والبيهقي (٤/ ١٢٤) من طريق بُشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة عن عمر أنه قال له لمَّا بعثه إلى خرص التمر: إذا أتيتَ أرضًا فَاخْرِصْها ودَعْ لهم قدر ما يأكلون. قال الحافظ في "المطالب": إسناده صحيح.