وقال: "إن في المالِ السابلةَ والعريَّةَ والواطئة١ "٢.
فصل
ووضع الخراج ضربان:
أحدهما: أن يوضع على الأرض.
والثاني: أن يوضع على الزرع.
فإن وُضع على الأرض اعتُبر حولُه بالسنة الهلالية دون الشمسية، وهي التي تُعتبر بها الآجال شرعًا؛ كالزكاة والدية والجزية وغيرها.
(١) في الأصل: "الوطنة" تصحيف. والواطئة: ما تأكل السابلة منه، سمَّوها واطئة لوطئهم الأرض. والعرية: ما يعرى للصِّلات في الحياة. انظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي (ص ١٨٧)، ولأبي يعلى (ص ١٢٠).
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٣٤٢) وابن أبي شيبة (١٠٦٦٥) وأبو داود في "المراسيل" (١١٨) عن مكحول عن النبي ﷺ مرسلًا بنحوه، وليس فيه "السابلة"، إذ الواطئة بمعناها. وروي نحوه عن عمر موقوفًا، كما عند أبي عبيد (١٣٤٣) والبيهقي (٤/ ١٢٤) من رواية الأوزاعي عن عمر بلاغًا.
وإن وضع على الزرع؛ فإن جعله مقاسمةً كان معتبرًا بكمال الزرع وتصفيته، وكان ذلك عامَه وأجلَه. وإن وضعه على مَكِيلته وأخذ على كل مقدارٍ معينٍ درهمًا أو نحوه اعتبر أيضًا بكمال الزرع. ووضعُه على رقبة الأرض أحوط؛ لأنه قد يُفرِّط في زرعها فيتعطَّل خراجها، وإذا وضع تأبَّد ما بقيت الأرض على حالها من شربها وقبولها للزرع.
فإن تعطَّلت وبارتْ أو انقطع شربها فهو نوعان:
أحدهما: أن يكون ذلك من جهة أهلها وهم قادرون على إصلاحها، فهذا لا يسقط الخراج لأنه بمنزلة الإجارة، فإذا عطَّل المستأجر الانتفاع لم تسقط عنه الأجرة.
الثاني: أن يكون بسببٍ لا صنعَ لهم فيه، كانقطاع المياه وإجلاء العدو لهم عن أرضهم، وجورٍ لحِقَهم من العمَّال لم تمكنهم الإقامةُ عليه، وتخرب١ الأرض بالأمطار والسيول ونحو ذلك، فهذا يُسقِط الخراج عنهم حتى تعود الأرض كما كانت، ويتمكنوا من الانتفاع بها.
وعلى الإمام أن يَعمُر الأرض من بيت المال من سهم المصالح، ولا يجوز إلزامهم بعمارتها من أموالهم، فإن سألهم أن يَعْمُروها من أموالهم ويَعتدَّ لهم بما أنفقوا عليها من خراجها فرضُوا بذلك جاز، ولم يُجبَروا عليه إلا أن يكون سهم المصالح عاجزًا عن ذلك، ولا يضرُّ بهم عمارتُهم بالخراج، وفي ذلك مصلحةٌ لهم ولأصحاب الفيء، فهذا يسوغ له إلزامهم به.