تعدَّى عليه العامل وجب فيه التقدير١ في أحدهما من ربح الآخر.
فصل
وللإمام ترك الخراج وإسقاطُه عن بعض من هو عليه وتخفيفُه عنه، بحسب النظر والمصلحة للمسلمين، وليس له ذلك في الجزية. والفرق بينهما أن الجزية المقصود بها إذلال الكافر٢ وصَغاره، وهي عوضٌ عن حَقْن دمه، ولم يمكِّنه الله من الإقامة بين أظهر المسلمين إلا بالجزية إعزازًا للإسلام وإذلالًا للكفر. وأما الخراج فهو أجرة الأرض وحقٌّ من حقوقها، وإنما وُضِع بالاجتهاد، فإسقاطه كله بمنزلة إسقاط الإمام أجرة الدار والحانوت عن المكتري.
فصل
ولا خراجَ على مَزارع مكة وإن فُتحت عنوةً.
وقيل: يُضرب عليها الخراج كسائر أرض العنوة. وهذا القول من أقبح الغلط في الإسلام، وهو مردودٌ على قائله. ومكة أجلُّ وأعظم من أن يُضرب على أرضها الجزية، وهي حرم الله وأمنُه ودار نُسكِ الإسلام، وقد أعاذها مما هو دون الخراج بكثيرٍ. وهذا القول استدراكٌ على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم إلى زمن هذا القائل، وكيف يسوغ ضرب
(١) في الأصل: "وصيغة التعدير". ولا معنى له.
(٢) في الأصل: "الكفار" خلاف ما يقتضيه السياق.
الخراج الذي هو أخو الجزية وشقيقها ورضيعُ لبنها على خيرِ بقاع الله وأحبِّها إلى الله، ودارِ النُّسك، ومتعبَّدِ الأنبياء، وقريةِ رسول الله التي أخرجته، وحرَمِ رب العالمين وأمْنِه ومحلِّ بيته، وقبلةِ أهل الأرض.
قال أبو عبيد١: صحت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه افتتح مكة وأنه منَّ على أهلها، فردَّها عليهم، فلم يقسِمْها ولم يجعلها فيئًا. فرأى بعض الناس أن هذا الفعل جائزٌ للأئمة بعده. ولا نرى مكة يشبهها٢ شيء من البلاد من جهتين:
إحداهما: أن رسول الله ﷺ كان قد خصَّه الله من الأنفال والغنائم بما لم يجعله لغيره، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[الأنفال: ١]، فنرى هذا كان خاصًّا له.
والجهة الأخرى: أنه قد سنَّ لمكة سُننًا لم يَسُنَّها٣ لشيء من سائر البلاد.
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجرٍ عن يوسف بن ماهَك عن أمِّه٤ عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، ألا
(١) "الأموال" (١/ ١٢٩).
(٢) في الأصل: "بستها" تحريف. والتصويب من "الأموال".
(٣) في الأصل: "من لمكة سببًا لم يسببها" تحريف. والتصويب من المصدر المذكور.
(٤) في الأصل: "عن أبيه". والتصويب من "الأموال" وبقية المصادر.