وقال مهنَّا بن يحيى الشامي١: أخبرنا إسماعيل ابن عُلَية، عن ابن أبي عَروبة، عن قتادة، عن سفيان العُقيلي، عن أبي عياضٍ قال: قال عمر ﵁: لا تبتاعوا رقيقَ أهل الذمة، فإنما هم أهل خراجٍ يبيع بعضهم بعضًا، وأرضهم فلا تتبايعوها، ولا يُقِرَّنَّ أحدكم بالصَّغار في عنقه بعد إذ أنقذه الله منه.
قال مهنا: فسألته ــ يعني أحمد ــ عن سُفيان العقيلي، فقال: روى عنه قتادة وأيوب السختياني، قلت: أي شيءٍ روى أيوب عن سفيان؟ فقال: هذا الحديث مرسلٌ، لم يذكر فيه أبا عياضٍ. وسألته: لِمَ قال عمر: لا تتبايعوا٢ رقيقَ أهل الذمة، قال: لأنهم يؤدُّون الخراج.
وقال الميموني٣: تذاكرنا قولَ عمر هذا، فقال أبو عبد الله: أظنه كرهه من أنهم كانوا جميعًا في الأصل حيث أُخِذوا مماليك، وإنما ملكوا هؤلاء بالقهر والغلبة منهم لهم، فكره شراءهم، واحتجَّ لقوله أنه نهاهم عن شراء ما في أيدينا، لأنهم إذا كان لهم أن يشتروا منا فلنا أن نشتري ما في أيديهم.
قال: هذا معنى كلام أبي عبد الله.
(١) كما في "الجامع" للخلال (١/ ١٧٧).
(٢) في "الجامع": "لا تبتاعوا".
(٣) كما في "الجامع" (١/ ١٧٦).
وما أرى الميموني فهِمَ ما قال أحمد، وإلا فلا أدري ما معنى هذا الكلام؟ وعمر ﵁ إنما قال: لأنهم أهل خراجٍ يبيع بعضهم بعضًا. وفي لفظ: يؤدّي بعضهم عن بعضٍ.
قال أحمد: فإذا صار إلى المسلم انقطع عنه. هكذا لفظه في رواية إسحاق بن منصورٍ، وقد صرَّح في رواية مهنأ بهذا، وقد سأله عن قول عمر ﵁ ما معناه؟ فقال: إنهم يؤدُّون الخراج ويستعبد بعضهم بعضًا، فإذا اشتراه مسلم لم يكن عليه خراجٌ.
قلت: كأنه جعل استعباد بعضهم بعضًا غيرَ مؤثِّرٍ في إسقاط الجزية عنهم، وقد صرَّح به عمر ﵁ في قوله: إنهم أهل خراجٍ يبيع بعضهم بعضًا.
وللصحابة ــ لاسيما الخلفاء منهم، لاسيما عمر ــ فقهٌ ونظر لا تبلغه أفهامُ مَن بعدهم، فكأن عمر ﵁ لم يُثبِت لرقيقهم أحكامَ الرقيق التي تثبت لرقيق المسلم، وعلم أنهم يبيع بعضهم بعضًا، وذلك لا يُثبِت الرقَّ في الحقيقة، فمنع المسلم من شرائه احتياطًا، ولم يُسقِط الجزية عن رقبته، وألزمها من ادَّعى أنه رقيقه. وهذا من أدقِّ النظر وألطفِ الفقه، وقد وافقه على ذلك علي بن أبي طالب ﵁، وكره للمسلم شراءهم. وقال: من أجل أنَّ عليهم خراجًا للمسلمين١.
(١) "وقال: من أجل أنّ عليهم خراجًا للمسلمين" ساقطة من المطبوع.