وقال مسلم بن مِشْكَمٍ: من عقد الجزية في عنقه فقد برئ مما عليه رسول الله ﷺ١.
وقال عبد الله بن عمرٍو: ألا أُخبركم بالراجع على عقبيه؟ رجل أسلم فحسُنَ إسلامه، وهاجر فحسُنَتْ هجرته، وجاهد فحسن جهاده، فلما قَفَلَ حمل أرضًا بجزيتها، فذلك الراجع على عقبيه٢.
وسئل عبد الله بن عمرٍو فقيل له: [أحدنا] يأتي النَّبَطيَّ فيحمل أرضَه بجزيتها، فقال: أتبدؤون بالصَّغار وتُعطون أفضلَ مما تأخذون؟!٣
وقال ميمون بن مِهران: ما يَسُرُّني أن لي ما بين الرُّها إلى حَرَّان بخراج خمسة دراهم٤.
قال أبو عبيد: فقد تتابعت الآثار بكراهة شراء أرض الخراج، وإنما كرهها الكارهون من جهتين: إحداهما: أنها فيءٌ للمسلمين. والأخرى: أن الخراج صَغارٌ. وكلاهما داخلٌ في حديثي عمر اللذين ذكرناهما؛ أحدهما قوله: "ولا يُقِرَّنَّ أحدكم بالصَّغار بعد إذ نجَّاه الله منه"، ووافقه على ذلك ابن مسعودٍ وابن عباس وعبد الله بن عمرٍو وقَبيصة بن ذُؤيبٍ وميمون بن مِهرانٍ ومسلم بن مِشْكمٍ في هذه الأحاديث التي ذكرناها. ومذهبه٥ في الفيء قوله
لعتبة بن فَرقد حين اشترى الأرض: "هؤلاء أهلُها" يعني المهاجرين والأنصار، ووافقه على ذلك علي بن أبي طالب ﵁.
حدثنا يزيد عن المسعودي عن أبي عون الثقفي قال: أسلم دهقان على عهد علي ﵁١، فقال علي: أما أنت فلا جزيةَ عليك، وأما أرضُك فلنا٢.
قلت: قوله: "لا جزيةَ عليك" يريد قد سقط عنك خراج رأسك ــ وهو الجزية ــ بإسلامك، وهذا يدلُّ على أن الإسلام لا يُسقِط الخراج المضروب على الأرض، فإن شاء المسلم أن يقيم بها إقامته به٣، وإن شاء نزل عنها فسلمها إلى ذمي بالخراج، فإذا كانت الأرض خراجيةً ثم أسلم أُقِرَّت في يده بالخراج. وهو إجارةٌ حكمها حكم سائر الإجارات.
[والخراج]٤ وإن شارك الإجارة في شيء فبينهما فروقٌ عديدةٌ:
منها: أن الإجارة موقَّتةٌ، والخراج غير موقَّتٍ.
ومنها: أن الأجرة غير مقدَّرة، والخراج مقدَّر٥.
(١) "حدثنا يزيد ... على ﵁ " ساقطة من المطبوع.
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٢٢٢)، وقد تقدَّم.