قيل: قد نصَّ أحمد رحمه الله تعالى على صحة الإجارة مع الكراهة١. والفرق بينها وبين البيع أن البيع يُراد للدوام بخلاف الإجارة، والحكم في زرعه كالحكم في زرع ما اشتراه. وقيل: لا شيء عليه هاهنا وإن أوجبنا عليه العُشرينِ في صورة الشراء، ويكون كما لو اشترى الزرع وحده. وهذا ليس بصحيح، فإن الموجب لمضاعفة العشر عليه في صورة الشراء هو بعينه موجودٌ في صورة الإجارة.
وأما شراؤه الزرعَ، فإن اشتراه قبل اشتداد حبِّه لم يصح البيع، وإن اشتراه بعد اشتداد حبِّه فزكاته على البائع.
فإن قيل: فلو اشتراه مع الأرض قبل اشتداد الحبّ.
قيل: حكمه حكم ما زرعه بنفسه.
فصل
وأما أموالهم التي يتَّجرون بها من بلدٍ إلى بلدٍ فإنه يؤخذ منهم نصفُ عُشرِها إن كانوا ذمةً، وعُشرها إن كانوا أهلَ هدنةٍ.
وهذه مسألة تلقَّاها الناس عن عمر بن الخطاب ﵁، ونحن نذكر أصلها وتفاصيلها٢، وكيف كان ابتداء أمرها، واختلاف الفقهاء في ما
(١) انظر: "الفروع" (٤/ ١١٦، ١١٧).
(٢) "وتفاصيلها" ساقطة من المطبوع.
اختلفوا فيه من أحكامها، بحول الله وقوته وتأييده، بعدَ أن نذكر مقدمةً في المُكوس وتحريمها والتغليظ في أمرها، وتحريمِ الجنة على صاحبها، وأمْرِ رسول الله ﷺ بقتله، وأن قياسها على ما وضعه عمر ﵁ على أهل الذمة من الخراج أو العشر كقياس أهل الشرك الذين قاسوا الربا على البيع، والميتةَ على المذكِّى.
قال الإمام أحمد١: حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن عبد الرحمن بن شِماسة التُّجيبي، عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخلُ الجنةَ صاحبُ مَكْسٍ".
وقال أبو عبيد٢: حدثنا يحيى بن بُكَيرٍ، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخير٣ قال: سمعت رُوَيفع بن ثابتٍ يقول: سمعت رسول
(١) في "مسنده" (١٧٣٥٤) عن يزيد بن هارون به، ولكن سياق إسناده ومتنه يوافق سياق أبي عبيد في "الأموال" (١٤٤٩)، فإنه رواه عن يزيد أيضًا. والحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٢٩٣٧) والدارمي (١٧٠٨) وابن خزيمة (٢٣٣٣) والحاكم (١/ ٤٠٣) من طرق عن محمد بن إسحاق به. وإسناده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، ولكن يشهد له الحديث الآتي.
(٢) في "الأموال" (١٤٥٠)، وأخرجه أحمد (١٧٠٠١) والطبراني في "الكبير" (٥/ ٢٩) من طريقين آخرين عن ابن لَهِيعة به. وابن لهيعة ضعيف، إلا أن رواية أحمد من طريق قتيبة عنه، وحديث العبادلة وقتيبة عنه أعدل من حديث غيرهم، فهو على أقل تقدير حسن في الشواهد.