قلت: هو٢ سلسلةٌ كان يُعتَرض بها على النهر تَمنع السُّفُنَ من المضي حتى تُؤخَذ منهم الصدقة، وكان مكانها يُسمَّى "السلسلة". وأقام بها مسروقٌ زمانًا يقصر الصلاة، كان عاملًا لزيادٍ، وكان أبو وائلٍ معه، قال: فما رأيتُ أميرًا قطُّ كان أعفَّ منه، ما كان يصيب شيئًا إلا ماء دجلة٣.
وقيل للشعبي: كيف خرج مسروقٌ من عمله؟ قال: ألم تروا إلى الثوب يُبعث به إلى القصَّار فيُجِيد غَسْلَه؟ فكذلك خرج من عمله٤.
قال أبو عبيد٥: وكان المكس له أصلٌ في الجاهلية، يفعله ملوك العرب والعجم جميعًا، فكانت سنتهم أن يأخذوا من التجار عُشر أموالهم إذا مرُّوا بها عليهم. يبيِّن ذلك ما في كتب النبي ﷺ لمن كتب من أهل الأمصار، مثل ثقيفٍ والبحرين ودُومة الجندل وغيرهم ممن أسلم: أنهم لا يُحشَرون ولا
(١) "الأموال" (١٤٦٠)، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٢٠٤) من طريق أبي عوانة عن الأعمش به. وأخرجه أحمد في "الزهد" (ص ٤٢١) من طريق سفيان الثوري يرسله عن شقيق، والظاهر أن بينهما الأعمش. وزياد هو ابن أبيه، عامل معاوية على الكوفة.
(٢) الإشارة بالضمير إلى الحبل المذكور في الأثر.
(٣) أسنده أبو عُبيد في "الأموال" (١٤٦٢) وأبو القاسم البغوي في "مسند علي بن الجعد" (٤٤٠). وفي الأصل: "ما دخله". والتصويب من "الأموال".
(٤) أسنده أبو عُبيد في "الأموال" (١٤٦١).
(٥) "الأموال" (١/ ٢٠١).
يُعْشَرون، فعلمنا بهذا أنه كان من سنة الجاهلية مع أحاديث فيه كثيرةٍ، فأبطل الله تعالى ذلك برسوله ﷺ وبالإسلام، وجاءت فريضة الزكاة١، فمن أخذها منهم على وجهها فليس بعاشرٍ، لأنه لم يأخذ العُشر، إنما أخذ رُبعه. وهو مفسَّرٌ في الحديث الذي يحدِّثونه عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله الثقفي عن جدِّه ــ أبي أمية٢ ــ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلمين عُشورٌ، إنما العُشور على اليهود والنصارى"٣.
قلت: وفي "المسند" و"سنن أبي داود"٤ عن رجل من بني تغلب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس على المسلمين عُشورٌ، إنما العُشور على اليهود والنصارى".
(١) بعدها في "الأموال": "بربع العشر من كل مئتي درهم خمسة". وليست في الأصل.
(٢) كذا في الأصل، وفي هامشه بعلامة خ: "أبي أبيه". وفي مصادر التخريج اختلاف واضطراب في ذكره. وفي "الأموال": "عن جده أبي أمه".
(٣) أخرجه أحمد (١٥٨٩٥ - ١٥٨٩٧، ٢٣٤٨٣) وأبو داود (٣٠٤٦ - ٣٠٤٩) وابن أبي شيبة (١٠٦٧٧، ١٠٦٧٨) والطحاوي في "معاني الآثار" (٢/ ٣١) والبيهقي (٩/ ١٩٩) وغيرهم من طرق عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله الثقفي، عن جده أبي أمِّه، أو عن جده عن أبيه، أو عن خاله، أو عن أبي أمية رجل من بني تغلب ... إلخ تلك الوجوه التي اضطرب عليها الحديث. قال البخاري كما في "العلل الكبير" للترمذي (ص ١٠٣): هذا حديث فيه اضطراب ولا يصحُّ. وانظر: "التاريخ الكبير" (٣/ ٦٠)، و"ضعيف سنن أبي داود ــ الأم" (٢/ ٤٧٧).
(٤) "مسند أحمد" (١٥٨٩٧) ــ واللفظ له ــ و"سنن أبي داود" (٣٠٤٩).