أحكام أهل الذمة

قال أبو عبيد١: فالعاشر الذي يأخذ الصدقة بغير حقّها، كما جاء في الحديث مرفوعًا وقد تقدم. وكذلك وجه حديث ابن عمر: أن عمر لم يأخذ العشور، إنما أراد هذا ولم يُرِد الزكاة. وقد كان عمر وغيره من الخلفاء يأخذونها عند الأعطية. وكذلك حديث زياد بن حُدَيرٍ: ما كنا نعشر مسلمًا ولا معاهدًا، أراد: أنا كنا نأخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر.

قال٢: وكان مذهب عمر فيما وضع من ذلك: أنه كان يأخذ من المسلمين الزكاة، ومن أهل الحرب العشر تامًّا؛ لأنهم كانوا يأخذون من تجار المسلمين مثله إذا قدموا بلادهم، فكان سبيله في هذين الصنفين بيِّنًا واضحًا.

قال٣: وكان الذي يُشكِل عليَّ وجهُه أخْذَه من أهل الذمة، فجعلتُ أقول: ليسوا بمسلمين فتؤخذ منهم الصدقة، ولا من أهل الحرب فيؤخذ منهم مثل ما أخذوا منا، فلم أدْرِ ما هو، حتى تدبَّرتُ فوجدتُه إنما صالح على ذلك صلحًا سوى جزية الرؤوس وخراج الأرضين.

حدثنا الأنصاري، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أبي مِجْلَزٍ قال: بعث عُمَرعمَّارًا وابن مسعودٍ وعثمان بن حُنَيفٍ إلى الكوفة، ثم ذكر

  1. (١) "الأموال" (١/ ٢٠١).
  2. (٢) "الأموال" (١/ ٢٠٢).
  3. (٣) المصدر نفسه (١/ ٢٠٣). والكلام مستمر.
218

حديثًا فيه طولٌ قال: فمسح عثمان الأرض، فوضع عليها الخراج، وجعل في أموال أهل الذمة التي يختلفون بها: من كل عشرين درهمًا درهمٌ، وجعل على رؤوسهم ــ وعطَّل من ذلك النساء والصبيان ــ أربعةً وعشرين، وكتب بذلك إلى عمر ﵁ فأجازه١.

قال أبو عبيد٢: فأرى الأخذ من تجّارهم في أصل الصلح، فهو الآن حق المسلمين عليهم. وكذلك كان مالك بن أنسٍ يقول، حدثنيه عنه يحيى بن بُكَيرٍ، قال٣: إنما صولحوا على أن يَقَرُّوا ببلادهم، فإذا مرُّوا بها للتجارات أُخِذ منهم كلما مرُّوا.

حدثنا معاذ بن معاذٍ، عن ابن عونٍ، عن أنس بن سيرين قال: بعث إليَّ أنس بن مالك ﵁ فأبطأتُ عليه، ثم بعث إليَّ فأتيته، فقال: إن كنتُ لأرى أني لو أمرتُك أن تَعَضَّ على حجر كذا وكذا ابتغاءَ مرضاتي لفعلتَ؛ اخترتُ لك عين عملي٤ فكرهتَه؟ إني أكتب لك سنة عمر ﵁. قلت: اكتب لي سنة عمر، فكتب: يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهم،

  1. (١) "الأموال" (١٤٧٢)، وقد تقدَّم (ص ١٥٠) بلفظ أطول.
  2. (٢) المصدر نفسه (١/ ٢٠٣).
  3. (٣) انظر: "الموطأ" (١/ ٣٧٧).
  4. (٤) في الأصل: "غير عملي". والتصويب من "الأموال". وكان أنس بن مالك تولَّى الصدقات والعشور لعمر، ثم لمَّا ولي أنس أعمال أهل البصرة لابن الزبير استعمل أنس بن سيرين على العشور.
219

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي