قال أبو عبيد٢: وكان ابن شهابٍ يتأوَّل على عمر فيه شيئًا غيرُه أحبُّ إلينا منه.
حدثنا إسحاق بن عيسى، عن مالك بن أنسٍ رحمه الله تعالى قال: سألتُ ابن شهابٍ لِمَ أخذ عمر العشر من أهل الذمة؟ فقال: كان يؤخذ منهم في الجاهلية فأقرَّهم عمر على ذلك٣.
قال أبو عبيد٤: والوجه الأول الذي ذكرناه من الصلح أشبهُ بعمر وأولى به، وبه كان يقول مالك بن أنسٍ نفسه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن هشامٍ عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك على العشور، فقلت: تبعثني إلى العشور من بين عُمَّالك؟ فقال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁؟ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر٥.
(١) "الأموال" (١٤٨٣)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٣٦٩٥٠).
(٢) "الأموال" (١/ ٢٠٦).
(٣) "الأموال" (١٤٨٤)، وهو في "الموطأ" (٧٦٥).
(٤) "الأموال" (١/ ٢٠٦).
(٥) "الجامع" للخلال (١/ ١٥٠)، وأخرجه البيهقي (٩/ ٢٠٩) من طريق آخر عن سفيان بن عُيينة به. وقد روي نحوه من طرق أخرى عن أنس بن سيرين، وقد سبق بعضها (ص ٢١٩).
فصل
إذا عرف هذا فاختلف الأئمة في ذلك: هل يؤخذ من الذمي والحربي أم يختص الأخذ بالحربي؟
فقال الشافعي١ رحمه الله تعالى: لا يؤخذ من الذمي شيء، وإن اضطرب في بلاد الإسلام كلها غير الحجاز، فإن الجزية أثبتتْ له الأمانَ العام على نفسه وأهله وماله في المقام والسفر. فإن دخل إلى أرض الحجاز فيُنظر في حاله: فإن كان دخوله لرسالةٍ أو نقل مِيْرةٍ٢ أذن له [الإمام] بغير شيء، وإن كان لتجارةٍ لا حاجةَ بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضًا بحسب ما يراه، والأولى أن يشترط عليه نصف العشر؛ لأن عمر ﵁ شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من أهل الذمة.
وأما الحربي فإن دخل إلينا لتجارةٍ لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له الإمام إلا بعوضٍ يشرطه، ومهما شرط جاز، ويستحب أن يشرط العشر ليوافق فعل عمر. وإن أذن مطلقًا من غير شرطٍ لم يؤخذ منه شيء، لأنه أمانٌ من غير شرطٍ، فهو كالهدنة.
قال: ويحتمل أن يجب عليه العشر؛ لأن عمر ﵁ أخذه، هذا نصه٣.
(١) انظر: "المغني" (١٣/ ٢٢٩).
(٢) الميرة: الطعام.
(٣) لم أجد هذا النصّ في كتاب "الأم" وغيره. وانظر معناه في "الأم" (٥/ ٤٩٢).