وأما اختلافهم في ممرِّه على العاشر مرارًا في السنة، وقول أهل العراق وسفيان: إنه لا يؤخذ إلا مرةً واحدةً، وقول مالك وأهل الحجاز: إنه يؤخذ منه في السنة١ كلّما مر= فإن الرواية في هذا للإمامين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فقد كُفِينا النظَرَ فيه.
حدثنا محمد بن كثيرٍ، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن ابن زياد بن حُدَيرٍ: أن أباه كان يأخذ من نصراني في كل سنةٍ مرتين، فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك يأخذ مني العُشْرَ في السنة مرتين، فقال عمر ﵁: ليس ذلك له، إنما له في كل سنةٍ مرةً. ثم أتاه فقال: هو الشيخ النصراني، فقال عمر ﵁: وأنا الشيخ الحنيف، قد كتبتُ لك في حاجتك٢.
حدثنا يزيد عن جرير بن حازمٍ قال: قرأتُ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن يأخذ العشور ثم يكتب بما يأخذ منهم البراءةَ، فلا يأخذ منهم من ذلك المال ولا من ربحه زكاة سنةٍ، ويأخذ من غير ذلك المال إن مرَّ به٣.
قال أبو عبيد٤: فحديث عمر هذا هو عدلٌ بين قول أهل الحجاز وقول
(١) "في السنة" ساقطة من المطبوع.
(٢) "الأموال" (١٤٩٢)، وقد تقدَّم تخريجه (ص ٢٢٩).
(٣) "الأموال" (١٤٩٣)
(٤) المصدر نفسه (٢/ ٢١٠).
أهل العراق: أنه إن كان المال التالي هو الذي مر به بعينه في المرة الأولى لم يُؤخذ منه تلك السنةَ ولا من ربحه أكثرَ من مرةٍ؛ لأن الحق الذي قد لزِمَه فيه قد قضاه، فلا يُقضى حقٌّ واحدٌ من مالٍ مرتين. وإن مرَّ بمالٍ سواه أُخذ منه وإن جدَّد ذلك في كل عامٍ مرارًا، إذا كان قد عاد إلى بلاده ثم أقبل بمالٍ سوى المال الأول؛ لأن المال الأول لا يُجزئ عن الآخر، ولا يكون في هذا أحسنَ حالًا من المسلم. ألا ترى أنه لو مرَّ بمالٍ لم يُؤدِّ زكاته أُخذت منه الصدقة، ثم إن مرَّ بمالٍ آخر في عامه ذلك لم يكن أخذت منه الزكاة أنها تؤخذ منه من ماله هذا أيضًا؛ لأن الصدقة لا تكون قاضيةً عن المال الآخر؟ فهذا قدرُ ما في أهل الذمة.
فأما أهل الحرب، فكلهم يقول: إذا انصرف إلى بلاده ثم عاد بماله ذلك أو بمالٍ سواه، إنَّ عليه العُشْرَ كلَّما مرَّ به؛ لأنه إذا دخل دار الحرب بطلتْ عنه أحكام المسلمين، فإذا عاد إلى دار الإسلام كان مستأنفًا للحكم كالذي لم يدخلها قطُّ، لا فرقَ بينهما. وكلهم يقول: لا يُصدَّق الحربي في شيء مما يدَّعي من دَينٍ عليه، أو قولِه: إن هذا المال ليس لي، ولكن يؤخذ منه على كل حالٍ. إلا أن أهل العراق يقولون: يُصدَّق الحربي في خصلةٍ واحدةٍ، إذا مرَّ بجوارٍ فقال: هؤلاء أمهاتُ أولادي، قُبِل منه، ولم يؤخذ منه عُشر قيمتهن.
قلت: فقد حكى أبو عبيد الاتفاق على أن الحربي يُعشَر كلما دخل إلينا، وفرَّق بينه وبين الذمي. والذي نصَّ عليه الإمام أحمد والشافعي أنه لا يؤخذ منه في السنة إلا مرةً، وبعض أصحاب أحمد والشافعي قال: يؤخذ كلما دخل