أحكام أهل الذمة

قال١: وذلك بيِّنٌ في كتابٍ كتبه عمر ﵁ إليهم قبل إجلائه إياهم منها.

حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عونٍ قال: قال لي محمد بن سيرين: انظُرْ كتابًا قرأته عند فلان بن جبيرٍ، فكلِّمْ فيه زيادَ بن جُبيرٍ، قال: فكلَّمتُه فأعطاني، فإذا في الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم. من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رُعاشَ٢ كلهم، سلامٌ عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنكم زعمتم أنكم مسلمون ثم ارتددتم بعدُ، وإنه من يَتُبْ منكم ويُصلِح لا يضرُّه ارتداده ونُصاحبه صحبةً حسنةً، فادَّكِروا ولا تَهلِكوا، وليُبشِرْ من أسلم منكم. فإن أبى إلا النصرانية فإنَّ ذمتي بريئةٌ ممن وجدناه ــ بعد عشرٍ تبقى من شهر الصوم ــ من النصارى بنجران. أما بعد، فإنَّ يعلى كتب يعتذر أن يكون أَكره أحدًا منكم على الإسلام أو عذَّبه عليه، إلا أن يكون وعيدٌ لم ينفُذْ إليه منه شيء. أما بعد، فقد أمرتُ يعلى أن يأخذ منكم نصفَ ما عملتم من الأرض، وإني لن أريد نزْعَها منكم ما أصلحتم"٣.

وقال الشيخ في "المغني"٤: فأما إخراج أهل نجران منها فلأن النبي ﷺ صالحَهم على ترك الربا، فنقَضُوا عهدَه.

  1. (١) الكلام متصل بما قبله في المصدر السابق.
  2. (٢) موضع من أرض نجران. انظر: "معجم ما استعجم" (٢/ ٦٦٠). وفيه ذكر كتاب عمر هذا.
  3. (٣) "الأموال" (٣٠٠)، وإسناده صحيح إلى زياد بن جبير.
  4. (٤) (١٣/ ٢٤٣، ٢٤٤).
253

فإن قيل: فرسول الله ﷺ قد أقرَّ أهل خيبر بها إلى أن قبضه الله وهي من جزيرة العرب. وأصرحُ من هذا أنه مات ودِرعُه مرهونةٌ عند يهودي بالمدينة على ثلاثين صاعًا من شعيرٍ أخذه لأهله.

قيل: أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يُقِرَّهم إقرارًا لازمًا، بل قال: "نُقِرُّكم ما شِئنا". وهذا صريحٌ في أنه يجوز للإمام أن يجعل عقد الصلح جائزًا من جهته متى شاء نقضه بعد أن يَنْبِذ إليهم على سواءٍ، فلما أحدثوا ونكثوا أجلاهم عمر ﵁.

فروى البخاري في "صحيحه"١ عن ابن عمر ﵄ أنه لما فَدَّعَ٢ أهلُ خيبر عبدَ الله بن عمر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامَلَ يهودَ خيبر على أموالهم، وقال: "نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله تعالى"، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعُدِي عليه من الليل، ففُدِّعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوٌّ غيرهم، هم عدوُّنا وتُهمتُنا، وقد رأيتُ إجلاءهم. فلما أجمع عمر ﵁ على ذلك أتاه أحد بني [أبي] الحُقَيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتُخرِجنا وقد أقرَّنا محمد وعامَلَنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر ﵁: أظننتَ أني نسيتُ قولَ رسول الله ﷺ

  1. (١) برقم (٢٧٣٠). والزيادة منه.
  2. (٢) الفدع: عوج في المفاصل كأنها قد فارقت مواضعها، وأكثر ما يكون في رُسْغ اليد أو القدم. والفعل الثلاثي منه لازم، والمتعدّي فدَّع كما ضبطه الصغاني في "التكملة" (٤/ ٣١٥).
254

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي