لك: "كيف بك إذا أُخرِجتَ من خيبر تَعدُو بك قَلُوصك ليلةً بعد ليلةٍ؟ " فقال: كانت هذه هُزَيلةً١ من أبي القاسم، فقال: كذبتَ يا عدوَّ الله! قال: فأجلاهم عمر ﵁ وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُروضًا من أقتابٍ وحبالٍ وغير ذلك.
وفي "صحيحه"٢ أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: أتى رسول الله ﷺ أهلَ خيبر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم، وغلَبَهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يُجْلَوا منها ولهم ما حملَتْ رِكابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة ــ وهي السلاح ــ، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهدَ، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مالٌ وحُلِيٌّ لحُيَيِّ بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجلِيت النَّضير، فقال رسول الله ﷺ لعمِّ حُيَيٍّ ــ واسمه سَعْية ــ:
(١) تصغير الهزل ضدّ الجدّ.
(٢) لم يخرجه البخاري بهذا الطول، وإنما أخرجه مختصرًا (٢٣٢٨، ٢٣٣٨، ٢٧٣٠) من طرق عن نافع عن ابن عمر. ومنشأ الوهم أن البخاري ذكر عقب الحديث السابق (٢٧٣٠) أنه قد "رواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله، أحسبه عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ ". ولم يَسُق لفظه، فأتى الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" (١/ ١٦٥، ١٦٦) وساق لفظه مطوَّلًا من "مستخرج البَرقاني" ــ كما قاله الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٢٩) ــ ونسبه إلى البخاري. والظاهر أن المؤلف صادر عن الحميدي، وقد أورده أيضًا في "زاد المعاد" (٣/ ٣٨٨، ٣٨٩). وهذا السياق المطوَّل أخرجه أيضًا ابن حبان (٥١٩٩) وابن المنذر في "الأوسط" (٦/ ٣٦٥) والبيهقي في "السنن" (٩/ ١٣٧) و"الدلائل" (٤/ ٢٢٩)، من طرق عن حماد بن سلمة به. وإسناده جيِّد.
"ما فَعَل مَسْكُ حُيَيٍّ الذي جاؤوا١ به من النضير؟ "، قال: أذهبَتْه النفقات والحروب، فقال: "العهد قريبٌ، والمال أكثر من ذلك".
وقد كان حُيَيٌّ قُتِل قبل ذلك، فدفع رسول الله ﷺ سَعْية إلى الزبير فمسَّه بعذابٍ، فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خرِبةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المَسْك في الخربة، فقَتلَ رسول الله ﷺ ابنَي أبي الحُقَيق وأحدهما زوج صفية بنت حُيَيّ بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكْث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دَعْنا نكون في هذه الأرض نُصلِحها ونقومُ عليها. ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا أصحابه غلمانٌ يقومون عليها ولا يفرغون أن يقوموا، فأعطاهم خيبر على أنَّ لهم الشطْرَ من كل زرعٍ وشيءٍ ما بدا لرسول الله ﷺ.
وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عامٍ يَخْرُصها عليهم، ثم يُضمِّنهم الشطْرَ، فشكَوا إلى رسول الله ﷺ شدةَ خرصه، وأرادوا أن يَرْشُوه، فقال عبد الله: أتُطعِمونني السُّحتَ؟ والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتم أبغضُ الناس إليَّ مِن عِدِّتِكم٢ من القردة والخنازير، ولا يَحملني بغضي إياكم وحبِّي إياه على أن لا أعدِلَ عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
فكان رسول الله ﷺ يُعطي كلَّ امرأةٍ من نسائه ثمانين وَسَقًا من تمرٍ كلَّ
(١) كذا في الأصل. وفي مصادر التخريج و"زاد المعاد": "جاء".
(٢) في المطبوع: "عدلكم" خلاف ما في الأصل و"صحيح ابن حبان".