أحكام أهل الذمة

عامٍ وعشرين وَسَقًا من شعيرٍ، فلمَّا كان زمان عمر ﵁ غشُّوا المسلمين، وألقَوا ابنَ عمر من فوقِ بيت ففَدَعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم، فقسمها عمر ﵁ بينهم. فقال رئيسهم: لا تُخرِجْنا، دَعْنا نكونُ فيها كما أقرَّنا رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ، فقال عمر ﵁ لرئيسهم: أتراه سَقَط عليَّ قولُ رسول الله ﷺ: "كيف بك إذا رَقَصَتْ بك راحلتُك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا؟ ". وقسمها عمر ﵁ بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية١.

وأما رَهْن النبي ﷺ دِرعَه عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يَقْدَمون المدينةَ بالمِيرة والتجارة من حولها، أو من أهل خيبر، وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف: بني قينقاع وبني النضير وقريظة. فأما بنو قينقاع فحاربهم أولًا، ثم منَّ عليهم. وأما بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر وأجلى بني قينقاع أيضًا، وقتل بني قريظة٢، وأجلى كلَّ يهودي كان بالمدينة. فهذا اليهودي المرتهن: الظاهرُ أنه من أهل العهد قدِمَ المدينة بطعامٍ، أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه، فالله أعلم.

فهذا أصل إجلاء الكفّار من أرض الحجاز. ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك، فقال مالك٣: أرى أن يُجلَوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله

  1. (١) هنا انتهى لفظ حديث ابن عمر الطويل.
  2. (٢) في الأصل: "بني النضير" خطأ.
  3. (٣) كما في "المغني" (١٣/ ٢٤٢).
257

ﷺ قال: "لا يجتمع دينانِ في جزيرة العرب"١.

وفي "صحيح مسلم"٢ من حديث عمر ﵁ سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأُخرِجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أَدع فيها إلا مسلمًا".

وقال الشافعي٣: يُمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، وهي قراها. أما غير الحرم منه فيُمنَع الكتابي وغيره من الاستيطان والإقامة به، وله الدخول بإذن الإمام لمصلحةٍ، كأداء رسالةٍ أو حمل متاعٍ يحتاج إليه المسلمون، وإن دخل لتجارةٍ ليس فيها كبير حاجةٍ لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئًا، ولا يمكّن من الإقامة أكثر من ثلاثٍ.

وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب٤، ومنعهم من الإقامة فيها. وهذا وهمٌ؛ فإن النبي ﷺ بعث معاذًا قبل موته إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، وأقرَّهم فيها، وأقرَّهم أبو بكر بعده، وأقرَّهم عمر وعثمان وعلي ﵃، ولم يُجْلُوهم من اليمن مع أمر رسول الله ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلم يُعرَف عن إمامٍ أنه أجلاهم من اليمن.

  1. (١) حديث حسن، سبق تخريجه.
  2. (٢) برقم (١٧٦٧).
  3. (٣) انظر: "المهذب" (٣/ ٣١٩).
  4. (٤) انظر: "نهاية المطلب" (١٨/ ٦١، ٦٢)، و"الوسيط" للغزالي (٧/ ٦٧).
258

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي