وإنما قال الشافعي وأحمد: يُخْرَجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر ويَنْبُع ومخاليفها، ولم يذكرا اليمن، ولم يُجلَوا من تَيماء أيضًا. وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر، فالبحر بينها وبين الجزيرة؟١ فهذا القول غلطٌ محضٌ.
وأما الحرم فإن كان حرم مكة فإنهم يمنعون من دخوله بالكلية، فلو قدِمَ رسولٌ لم يَجُزْ أن يأذن له الإمام في دخوله، ويَخرج الوالي أو من يثق به إليه، ولا يختصُّ المنع بخِطَّة مكة بل بالحرم كله.
وأما حرم المدينة فلا يُمنع من دخوله لرسالةٍ أو تجارةٍ أو حَمْل متاعٍ.
فصل
فهذا تفصيل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.
وأما مذهب أحمد٢ رحمه الله تعالى فعنده يجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى كانوا يتَّجرون إلى المدينة في زمن عمر ﵁ كما تقدم.
وحكى أبو عبد الله بن حمدان٣ عنه رواية: أن حرم المدينة كحرم مكة
(١) كذا في الأصل. وينظر الخطّ الفاصل بين اليمن وبين باقي جزيرة العرب في "معجم البلدان" (٥/ ٤٤٧، ٤٤٨).
(٢) اعتمد المؤلف في هذا الفصل على "المغني" (١٣/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٣) في "الرعاية الكبرى" (٢/ ٣٣ أ).
في امتناع دخوله.
والظاهر أنها غلطٌ على أحمد، فإنه لم يَخْفَ عليه دخولُهم بالتجارة في زمن عمر ﵁ وبعده وتمكينُهم من ذلك.
ولا يأذن١ لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيامٍ. وقال القاضي: أربعةٌ، وهي حدُّ ما يُتِمُّ المسافر الصلاة٢.
وإذا مرِض بالحجاز جازت له الإقامة، لمشقَّةِ الانتقال على المريض. ويجوز أن يقيم معه من يُمرِّضه.
وإن كان له دَينٌ على أحدٍ وكان حالًّا أُجبِر غريمُه على وفائه، فإن تعذَّر وفاؤه لمطْلٍ أو غيبةٍ مُكِّن من الإقامة لِيَستوفيَ دينَه، وفي إخراجه ذهاب ماله.
وإن كان الدَّين مؤجَّلًا لم يُمكَّن من الإقامة، ويُوكِّل من يستوفيه؛ لأن التفريط منه.
فإن أراد أن يضع ويتعجَّل فهل يجوز ذلك؟ على روايتين منصوصتين، أشهرهما المنع، وأصحهما عند شيخنا الجواز٣. والمنع قول ابن عمر٤
(١) أي الإمام.
(٢) "المغني" (١٣/ ٢٤٤).
(٣) انظر الكلام على هذه المسألة في "إغاثة اللهفان" (٢/ ٦٧٩ - ٦٨٥).
(٤) أخرجه مالك في "الموطأ" (١٣٥٢)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١١/ ٦١)، والبيهقي (٦/ ٢٨).