أحكام أهل الذمة

هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فلم تتناول الآية حرمَ المدينة ولا مسجدَها.

فصل

وأما تفصيل مذهب مالك١ رحمه الله تعالى، فإنهم يُقَرُّون عنده في جميع البلاد إلا جزيرة العرب: وهي مكة والمدينة وما والاهما.

وروى عيسى بن دينارٍ عنه دخول اليمن فيها.

وروى ابن حبيبٍ أنها من أقصى عدنٍ وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في المغرب والمشرق، وما بين المدينة٢ إلى مُنقطَع السماوة. ولا يُمنَعون من الاجتياز بها مسافرين ولكن لا يقيمون.

فصل

وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فعنده: لهم دخول الحرم كله حتى الكعبة نفسها، ولكن لا يستوطنون به. وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم.

وكأنَّ أبا حنيفة رحمه الله تعالى قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله ﷺ، ولا يصح هذا القياس، فإن لحرم مكة أحكامًا يخالف بها

  1. (١) انظر: "عقد الجواهر الثمينة" (١/ ٤٨٧).
  2. (٢) في المصدر السابق: "بين سَرَب". وسرب بلد قرب المدينة. انظر: "معجم ما استعجم" (٢/ ٧٣١، ١٢٣٤).
263

المدينة، على أنها ليست عنده حرمًا.

فإن قيل: الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام، ولم يمنع أهل الكتاب منه، ولهذا أذن مؤذن النبي ﷺ يوم الحج الأكبر: "أن لا يحج بعد العام مشركٌ"١. والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب، فلم يتناولهم المنع.

قيل: للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين.

فابن عمر وغيره كانوا يقولون: هم من المشركين. قال عبد الله بن عمر ﵄: لا أعلم شركًا أعظم من أن يقول: المسيح ابن الله وعُزير ابن الله٢. وقد قال تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].

والثاني: لا يدخلون في لفظ المشركين؛ لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧].

قال شيخنا٣: والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد فليسوا من

  1. (١) أخرجه البخاري (٣٦٩) ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي هريرة.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٢٨٥).
  3. (٣) انظر نحو هذا الكلام في "مجموع الفتاوى" (١٤/ ٩١ - ٩٣، ٣٢/ ١٧٩)، و"الجواب الصحيح" (٣/ ١١٥ - ١١٦)، و"تلخيص كتاب الاستغاثة" (ص ١٤٨).
264

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي