قيل: إن دخلوها بغير إذنٍ مُنِعوا من ذلك ولم يُمكَّنوا منه لأنهم نجسٌ، والجنب والحائض أحسنُ حالًا منهم وقد مُنِعا من دخول المساجد.
وإن دخلوها بإذن مسلم ففيه قولان للفقهاء هما روايتان عن أحمد.
ووجه الجواز: أن رسول الله ﷺ أنزل الوفود من الكفّار في مسجده، فأنزل فيه وفدَ نجران ووفدَ ثقيفٍ١ وغيرهم.
وقال سعيد بن المسيب: كان أبو سفيان يدخل مسجدَ المدينة وهو على شِركه٢.
وقدم عُمير بن وَهْبٍ ــ وهو مشركٌ ــ فدخل المسجد والنبي ﷺ فيه ليَفْتِك به، فرزقَه الله تعالى الإسلام٣.
ووجه المنع: أنهم أسوأ حالًا من الحائض والجنب، فإنهم نجسٌ بنص
(١) سبق تخريج ما يتعلق بوفد نجران، وأما خبر وفد ثقيف فأخرجه أحمد (١٧٩١٣) وأبو داود (٣٠٢٦) وابن خزيمة (١٣٢٨) من حديث الحسن عن عثمان بن أبي العاص الثقفي. ورجاله ثقات.
(٢) لم أقف عليه. وخبر مجيء أبي سفيان إلى المدينة قبل إسلامه ذكره ابن إسحاق وغيره من أصحاب المغازي، وليس فيه التصريح بدخوله المسجد. انظر: "سيرة ابن هشام" (٢/ ٣٨٩)، ومرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٧).
(٣) روى ذلك أصحاب المغازي: عروة (من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه)، وموسى بن عقبة عن الزهري، وابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، كلهم مرسلًا. أخرجها الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٥٦ - ٦١) والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ١٤٧ - ١٤٩).
القرآن، والحائض والجنب ليسا بنجسٍ بنصّ السنة١.
ولما دخل أبو موسى على عمر بن الخطاب وهو في المسجد أعطاه كتابًا فيه حسابُ عمله، فقال له عمر: ادعُ الذي كتبه ليقرأه، فقال: إنه لا يدخل المسجد، قال: ولِمَ؟ قال: إنه نصراني٢. وهذا يدل على شهرة ذلك بين الصحابة.
ولأنه قد انضمَّ إلى حدث جنابته حدثُ شركِه، فيتغلَّظ المنع.
وأما دخول الكفار مسجد النبي ﷺ فكان ذلك لما كان بالمسلمين حاجةٌ إلى ذلك، ولأنهم كانوا يخاطبون النبي ﷺ في عهودهم، ويؤدُّون إليه الرسائل، ويحملون منه الأجوبةَ، ويسمعون منه الدعوة. ولم يكن النبي ﷺ ليخرج من المسجد لكل من قصدَه من الكفار، فكانت المصلحة في دخولهم ــ إذ ذاك ــ أعظمَ من المفسدة التي فيه، بخلاف الجنب والحائض فإنه كان يُمكِنهما التطهرُ والدخول إلى المسجد.
وأما الآن فلا مصلحةَ للمسلمين في دخولهم مساجدَهم والجلوس فيها، فإن دعت إلى ذلك مصلحةٌ راجحةٌ جاز دخولها بالإذن٣، والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) كما في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال له لمَّا أخبره أنه انخنس منه لأنه كان جنبًا: "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس". أخرجه البخاري (٢٨٣) ومسلم (٣٧١).