ولما دخل أبو موسى على عمر بن الخطاب وهو في المسجد أعطاه كتابًا فيه حسابُ عمله، فقال له عمر: ادعُ الذي كتبه ليقرأه، فقال: إنه لا يدخل المسجد، قال: ولِمَ؟ قال: إنه نصراني٢. وهذا يدل على شهرة ذلك بين الصحابة.
ولأنه قد انضمَّ إلى حدث جنابته حدثُ شركِه، فيتغلَّظ المنع.
وأما دخول الكفار مسجد النبي ﷺ فكان ذلك لما كان بالمسلمين حاجةٌ إلى ذلك، ولأنهم كانوا يخاطبون النبي ﷺ في عهودهم، ويؤدُّون إليه الرسائل، ويحملون منه الأجوبةَ، ويسمعون منه الدعوة. ولم يكن النبي ﷺ ليخرج من المسجد لكل من قصدَه من الكفار، فكانت المصلحة في دخولهم ــ إذ ذاك ــ أعظمَ من المفسدة التي فيه، بخلاف الجنب والحائض فإنه كان يُمكِنهما التطهرُ والدخول إلى المسجد.
وأما الآن فلا مصلحةَ للمسلمين في دخولهم مساجدَهم والجلوس فيها، فإن دعت إلى ذلك مصلحةٌ راجحةٌ جاز دخولها بالإذن٣، والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) كما في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال له لمَّا أخبره أنه انخنس منه لأنه كان جنبًا: "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس". أخرجه البخاري (٢٨٣) ومسلم (٣٧١).
ذكر معاملتهم عند اللقاء وكراهة أن يُبدَؤوا بالسلام، وكيف يُرَدُّ عليهم
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليهودَ والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدَهم في طريقٍ فاضطرُّوه إلى أضيقهِ"، رواه مسلم في "صحيحه"١.
وفي "الصحيحين"٢ عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلَّم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السَّامُ عليك، فقل: وعليك". هكذا بالواو، وفي لفظ٣: "عليك" بلا واوٍ.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". رواه أحمد٤ هكذا. وفي لفظٍ للإمام أحمد٥: "فقولوا: عليكم" بلا واوٍ.
وعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهطٌ من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك، ففهمتُها فقلت: عليكم السَّامُ واللعنة، فقال رسول الله
(١) برقم (٢١٦٧).
(٢) البخاري (٦٢٥٧) ومسلم (٢١٦٤/ ٩).
(٣) البخاري (٦٩٢٨) ومسلم (٢١٦٤/ ٨).
(٤) برقم (١١٩٤٨)، وهو عند البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣) أيضًا.