وعن أبي بَصْرة١﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّا غَادُون على يهودَ، فلا تبدأوهم بالسلام، فإن سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم". رواه الإمام أحمد٢.
وله أيضًا٣ عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إني راكبٌ غدًا إلى يهودَ فلا تبدأوهم بالسلام، وإذا سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم".
لما كان السلام اسمًا من أسماء الرب ﵎، وهو اسم مصدرٍ في الأصل ــ كالكلام والعطاء ــ بمعنى السلامة= كان الرب تعالى أحقَّ به من كل
(١) في المطبوع: "أبي نضرة" تصحيف.
(٢) برقم (٢٧٢٣٧)، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٧٢٣٥، ٢٧٢٣٦) والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٠٢) والنسائي في "الكبرى" (١٠١٤٨) وغيرهم من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني (ولم يُذكر في رواية أحمد: ٢٧٢٣٧)، عن أبي بصرة الغفاري ﵁. وهذا إسناد صحيح.
(٣) برقم (١٧٢٩٥ مسند عقبة، ١٨٠٤٥ مسند أبي عبد الرحمن الجهني)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٦٩٩) وأبو يعلى (٩٣٦) والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٩٠) من طرق عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الجُهني (قيل: هو عقبة بن عامر). رجاله ثقات، وهو الحديث السابق بعينه، إلا أن ابن إسحاق وهم فيه فجعله عن أبي عبد الرحمن الجهني، والصحيح: عن أبي بصرة الغفاري. على أن ابن إسحاق نفسه قد رواه تارة على الصواب كما في "الأدب المفرد" (١١٠٢) وغيره. انظر: "العلل الكبير" للترمذي (ص ٣٤٢)، و"أنيس الساري" (١٥٢٩).
ما سواه؛ لأنه السالم من كل آفةٍ وعيبٍ ونقصٍ وذمٍّ، فإن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وكمالُه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك. والسلام يتضمن سلامةَ أفعاله من العبث والظلم وخلافِ الحكمة، وسلامةَ صفاته من مشابهة صفات المخلوقين، وسلامةَ ذاته من كل نقصٍ وعيبٍ، وسلامةَ أسمائه من كل ذمّ. فاسم السلام يتضمن إثبات جميع الكمالات له وسلْبَ جميع النقائص عنه، وهذا معنى "سبحان الله والحمد لله". ويتضمن إفراده بالألوهية وإفراده بالتعظيم، وهذا معنى "لا إله إلا الله والله أكبر". فانتظم اسم "السلام" الباقياتِ الصالحاتِ التي يُثنى بها على الرب ﷻ.
ومن بعض تفاصيل ذلك أنه الحيّ الذي سَلِمتْ حياته من الموت والسِّنَة والنوم والتغير، القادر الذي سلمتْ قدرته من اللغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد، العليم الذي سلِمَ علمُه أن يعزُبَ عنه مثقالُ ذرةٍ أو يغيبَ عنه معلومٌ من المعلومات، وكذلك سائر صفاته على هذا.
فرضاه سبحانه سلامٌ أن ينازعه الغضب، وحلمه سلامٌ أن تُنازعه العَجلةُ، ورحمته سلام أن تنازعها العقوبة، وعفوه سلام أن١ ينازعه الانتقام، وإرادته سلامٌ أن ينازعها الإكراه، وقدرته سلامٌ أن ينازعها العجز، ومشيئته سلامٌ أن ينازعها خلاف مقتضاها، وكلامه سلامٌ أن يَعرِض له كذِبٌ أو ظلمٌ، بل تمَّت كلماته صدقًا وعدلًا، ووعده سلامٌ أن يلحقه خُلْفٌ، وهو سلامٌ أن يكون قبله شيء أو بعده شيء أو فوقه شيء أو دونه شيء، بل هو
(١) "تنازعه العجلة ... وعفوه سلام أن" ساقطة من المطبوع.