يمينٌ١ مباركةٌ، كذلك أسماؤه كلها حسنى، وأفعاله كلها خيرٌ، وصفاته كلها كمالٌ. وقد جعل سبحانه السلام تحيةَ أوليائه في الدنيا وتحيتَهم يوم لقائه، ولمَّا خلق آدم وكمل خلقه فاستوى قال الله له: "اذهَبْ إلى أولئك النفر من الملائكة فاستمعْ ما يُحيُّونك به، فإنها تحيتُك وتحيةُ ذريتك مِن بعدك"٢.
وقد اختلف في تسمية الجنة بدار السلام، فقيل: السلام هو الله، والجنة داره. وقيل: السلام هو السلامة، والجنة دار السلامة من كل آفةٍ وعيبٍ ونقصٍ. وقيل: سميت دار السلام؛ لأن تحيتهم فيها سلامٌ. ولا تَنافِيَ بين هذه المعاني كلها٣.
وأما قول٤ المسلم: السلام عليكم، فهو إخبارٌ للمسلَّم عليه بسلامته من غيلة المسلِّم وغِشِّه ومكرِه ومكروهٍ يناله منه، فيردُّ الرادُّ عليه مثل ذلك، أي: فعلَ الله ذلك بك وأحلَّه عليك.
والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول: أنه في الأول خبرٌ، وفي الثاني طلبٌ.
(١) كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي أخرجه مسلم (١٨٢٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٢٦) ومسلم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة.
(٣) انظر: "حادي الأرواح" للمؤلف (١/ ١٩٤، ١٩٥).
(٤) هذا الوجه الثاني، وما تقدم كان الوجه الأول.
ووجهٌ ثالث: وهو أن يكون المعنى: أَذكُر الله الذي عافاك من المكروه، وآمنَك من المحذور، وسلَّمك مما تخاف، وعاملَنا من السلامة والأمان بمثل ما عاملك به. فيردُّ الرادُّ عليه مثلَ ذلك، ويُستحب له أن يزيده، كما أن من أهدى لك هديةً يُستحب لك أن تُكافئه بزيادةٍ عليها، ومن دعا لك ينبغي أن تدعو له بأكثر من ذلك.
ووجهٌ رابع: وهو أن يكون معنى سلام المسلم وردِّ الراد بشارةً من الله سبحانه، جعلها على ألسنة المسلمين لبعضهم بعضًا بالسلامة من الشر، وحصول الرحمة والبركة، وهي دوام ذلك وثباته. وهذه البشارة أُعطُوها لدخولهم في دين الإسلام، فأعظمهم أجرًا أحسنهم تحيةً، وأسبقهم في هذه البشارة كما في الحديث: "وخيرُهما الذي يبدأ صاحبَه بالسلام"١.
واشتقَّ الله سبحانه لأوليائه من تحية بينهم اسمًا من أسمائه، واسم دينه الإسلام الذي هو دين أنبيائه ورسله وملائكته. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾[آل عمران: ٨٢].
ووجهٌ خامس: وهو أن كل أمةٍ من الأمم لهم تحيةٌ بينهم من أقوالٍ
(١) أخرجه البخاري (٦٠٧٧، ٦٢٣٧) ومسلم (٢٥٦٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁.