ووجهٌ ثالث: وهو أن يكون المعنى: أَذكُر الله الذي عافاك من المكروه، وآمنَك من المحذور، وسلَّمك مما تخاف، وعاملَنا من السلامة والأمان بمثل ما عاملك به. فيردُّ الرادُّ عليه مثلَ ذلك، ويُستحب له أن يزيده، كما أن من أهدى لك هديةً يُستحب لك أن تُكافئه بزيادةٍ عليها، ومن دعا لك ينبغي أن تدعو له بأكثر من ذلك.
ووجهٌ رابع: وهو أن يكون معنى سلام المسلم وردِّ الراد بشارةً من الله سبحانه، جعلها على ألسنة المسلمين لبعضهم بعضًا بالسلامة من الشر، وحصول الرحمة والبركة، وهي دوام ذلك وثباته. وهذه البشارة أُعطُوها لدخولهم في دين الإسلام، فأعظمهم أجرًا أحسنهم تحيةً، وأسبقهم في هذه البشارة كما في الحديث: "وخيرُهما الذي يبدأ صاحبَه بالسلام"١.
واشتقَّ الله سبحانه لأوليائه من تحية بينهم اسمًا من أسمائه، واسم دينه الإسلام الذي هو دين أنبيائه ورسله وملائكته. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾[آل عمران: ٨٢].
ووجهٌ خامس: وهو أن كل أمةٍ من الأمم لهم تحيةٌ بينهم من أقوالٍ
(١) أخرجه البخاري (٦٠٧٧، ٦٢٣٧) ومسلم (٢٥٦٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁.
وأعمالٍ، كالسجود وتقبيل الأيدي وضرْب الجُوك١، وقول بعضهم: انعمْ صباحًا، وقول بعضهم: عِشْ ألفَ عامٍ ونحو ذلك. فشرعَ الله ﵎ لأهل الإسلام "سلامٌ عليكم"، وكانت أحسنَ من جميع تحيات الأمم بينها، لتضمُّنِها السلامة التي لا حياة ولا فلاح إلا بها، فهي الأصل المقدَّم على كل شيء.
وانتفاع العبد بحياته إنما يحصل بشيئين: بسلامته من الشر وحصول الخير، والسلامة من الشر مقدَّمةٌ على حصول الخير وهي الأصل، فإن الإنسان ــ بل وكل حيوانٍ ــ إنما يهتمُّ بسلامته أولًا وغنيمته ثانيًا. على أن السلامة المطلقة تتضمن حصول الخير، فإنه لو فاته حصل له الهلاك والعطب أو النقص، ففوات الخير يمنع حصول السلامة المطلقة، فتضمنت السلامةُ نجاةَ العبد من الشر وفوزَه بالخير، مع اشتقاقها من اسم الله.
والمقصود أن السلام اسمه ووصفه وفعله، والتلفظ به ذكرٌ له، كما في "السنن"٢ أن رجلًا سلَّم على النبي ﷺ فلم يردَّ عليه، حتى تيمَّم وردَّ عليه،
(١) الجوك (معرَّب «چوك» بالفارسية): الفخذ. وضرب الجوك نوع من البروك والجثوّ عند الترك والمغول في حضرة ملوكهم. انظر: المعجم الفارسي "برهان قاطع" (٢/ ٦٧٠)، و"تكملة المعاجم العربية" (٢/ ٣٥١). وعلق عليه في المطبوع: لعله "الجنوك" جمع جنك، آلة يُضرب بها كالعود والدف. وهو بعيد ومخالف لما في الأصل و"زاد المعاد" (٣/ ٣٩٩).
(٢) لأبي داود (١٧)، والنسائي (٣٨) وابن ماجه (٣٥٠)، أخرجه أيضًا أحمد (١٩٠٣٤) والدارمي (٢٦٨٣) وابن خزيمة (٢٠٦) وابن حبان (٨٠٣) والحاكم (١/ ١٦٧)، من حديث المهاجر بن قُنفذ ﵁ بإسناد صحيح، إلا أن لفظه: "فلم يردَّ عليه حتى توضأ". وأمَّا ذكر أنه ﷺ تيمم ثمَّ ردَّ عليه ففي حديث أبي الجهم عند مسلم (٣٦٩) وغيره، ولكن ليس فيه اعتذاره إليه بقوله ﷺ: "إني كرهت ... ".