أحكام أهل الذمة

وقال: "إني كرِهتُ أن أذكر الله إلا على طهارةٍ".

فحقيقٌ بتحيةٍ هذا شأنها أن تُصان عن بذْلِها لغير أهل الإسلام، وأن لا يُحيَّا بها أعداءُ القدوس السلام. ولهذا كانت كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار: "سلامٌ على من اتبع الهدى"١، ولم يكتب لكافرٍ "سلامٌ عليكم" أصلًا، فلهذا قال في أهل الكتاب: "ولا تَبدؤوهم بالسلام".

فصل

وأما الرد عليهم فأمر أن يقتصر به على "عليكم"، واختلفت الرواية في إثبات الواو وحذفها، وصحَّ هذا وهذا.

فاستشكلت طائفةٌ٢ دخولَ هذه الواو هاهنا إذ هي للتقرير وإثبات الأول، كما إذا قيل لك: فعلتَ كذا وكذا وكذا، فقلتَ: وأنتَ فعلتَه، أو قال: فلانٌ يصلِّي الخمس، فتقول: ويزكِّي ماله.

  1. (١) كما في حديث ابن عباس عند البخاري (٧) ومسلم (١٧٧٣) في كتاب النبي ﷺ إلى هرقل عظيم الروم.
  2. (٢) منهم الخطابي في "معالم السنن" (٨/ ٧٥)، وابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (٩/ ٣٨). وانظر: "فتح الباري" (١١/ ٤٤ - ٤٦)، ففيه ذكر هذا الإشكال والرد عليه. وراجع كلام المؤلف بنحو ما هنا في "بدائع الفوائد" (٢/ ٦٦٥ وما بعدها)، و"تهذيب السنن" (٣/ ٤٣٤).
277

قالوا: فالموضع موضع إضرابٍ، لا موضع تقريرٍ ومشاركةٍ، فهو موضع (بل عليكم)، لا موضع (وعليكم)، فإذا دخلت١ الواو كان إعادةً لمثل قوله من غير إشعارٍ بأنك علمت مراده، وإذا أتيت بلفظة "بل" أشعرتَه أنك فهمت مراده ورددتَه عليه قصاصًا، والأول أليق بالكرم والفضل. ولهذا السر ــ والله أعلم ــ دخلت الواو، على أنه ليس في دخولها إشكالٌ، فإن الموت لا ينجو منه أحدٌ، وكأن الرادّ يقول: الذي أخبرتَ بوقوعه علينا نحن وأنت فيه سواءٌ، فهو علينا وعليك. وهذا أولى من تغليط الراوي في إثباتها إذ لا سبيلَ إليه.

فإن قيل: بل إليه سبيلٌ، قال الخطابي٢: يرويه عامَّة المحدثين بالواو، وابن عيينة يرويه بحذفها، وهو الصواب.

قيل: قد ضبط الواوَ عبدُ الله بن عمر، وضبطها عنه عبد الله بن دينارٍ، وضبطها عنه مالك. قال أبو داود في "سننه"٣: كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينارٍ، ورواه الثوري أيضًا عن عبد الله بن دينارٍ فقال: وعليكم، انتهى.

وهذا الحديث قد أخرجه البخاري في "صحيحه"٤ كما تقدم. وحديث

  1. (١) في الأصل: "حذف"، ولا يستقيم به المعنى.
  2. (٢) في "معالم السنن" (٨/ ٧٥). وانظر التعليق عليه في "زاد المعاد" (٢/ ٤٩٦).
  3. (٣) بعد أن أخرجه (٥٢٠٦) من طريق عبد العزيز بن مسلم القسملي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بإثبات الواو.
  4. (٤) برقم (٦٢٥٧) من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك به. وتابع التنيسي بإثبات الواو عن مالك: ابنُ أبي أويس (الأدب المفرد: ١١٠٦)، وابن وهب (مستخرج أبي عوانة: ٩٤٨٨)، وقتيبة بن سعيد (ابن السني: ٢٤٣). ورواه آخرون عن مالك بحذف الواو، منهم: القعنبي (مسند الموطأ: ٤٧٨)، وأبو مصعب الزهري (الموطأ: ٢٠٢١)، ويحيى الليثي (الموطأ: ٢٧٥٩)، ومحمد الشيباني (الموطأ: ٩١٣)، وخالد بن مخلد (الدارمي: ٢٦٧٧).
278

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي