سفيان الثوري رواه البخاري ومسلم، وهو بالواو عندهما١.
وأما قول الخطابي: وابن عيينة رواه بحذفها= فقد اختُلِف على ابن عيينة أيضًا٢.
وجوابٌ آخر ولعله أحسن من الجواب الأول: أنه ليس في دخول الواو تقريرٌ لمضمون تحيتهم، بل فيه ردُّها وتقريرها لهم، أي: ونحن أيضًا ندعو لكم بما دعوتم به علينا، فإن دعاءهم قد حصل ووقع منهم، فإذا ردّ عليهم المجيب بقوله: "وعليكم" كان في ذكر الواو سرٌّ لطيفٌ، وهو أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به هو بعينه مردودٌ عليكم، لا تحيةَ لكم غيرُه. والمعنى: ونحن نقول لكم ما قلتم بعينه.
(١) نعم هو عند مسلم (٢١٦٤/ ٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري بإثبات الواو. ولكن البخاري أخرجه (٦٩٢٨) من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري ومالك قالا: ثنا عبد الله بن دينار ... بحذف الواو. وكذا هي رواية يحيى عن سفيان عند أحمد (٤٦٩٨). وتابع ابن مهدي في روايته عن سفيان بإثبات الواو: وكيع (أحمد: ٥٢٢١، ابن أبي شيبة: ٢٦٢٧٦) وعبد الرزاق (أحمد: ٥٩٣٨).
(٢) فرواه عنه بحذفها: الحميدي في "مسنده" (٦٧١)، والحارث بن مسكين عند النسائي في "الكبرى" (١٠١٣٩). ورواه عنه بإثباتها: أحمد بن عبدة عند البزار (٦١٢٢).
كما إذا قال رجل لمن يسبُّه: عليك كذا وكذا، فقال: وعليك، أي وأنا أيضًا قائل لك ذلك، وليس معناه أن هذا قد حصل لي وهو حصل لك معي، فتأمَّلْه.
وكذلك إذا قال: غفر الله لك، فقلت: ولك، وليس المعنى أن المغفرة قد حصلت لي ولك، فإن هذا علم غيبٍ، وإنما معناه أن الدعوة قد اشتركتُ فيها أنا وأنت. ولو قال: غفر الله لك، فقلت: لك، لم يكن فيه إشعارٌ بذلك.
وعلى هذا فالصواب إثبات الواو، وبه جاءت أكثر الروايات، وذكرها الثقات الأثبات، والله أعلم.
فصل
هذا كله إذا تحقق أنه قال: السام عليكم، أو شكَّ فيما قال. فلو تحقق السامع أن الذمي قال له: "سلامٌ عليكم" لا شكَّ فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾[النساء: ٨٥]، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل.
ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجهٍ ما، فإنه ﷺ إنما أمر بالاقتصار على قول الراد "وعليكم" بناءً على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة ﵂ فقال: "ألا تَرَيْنَنِي قلتُ: وعليكم" لما قالوا: السام عليكم، ثم قال: "إذا سلَّم عليكم أهل