وأما النهي عن نقش الخاتم بالعربي فهذا قد جاء مفسَّرًا في الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه"١ من حديث ابن عمر ﵄ قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهبٍ، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتمًا من ورِقٍ، ونقش فيه "محمد رسول الله"، وقال: "لا ينقُشْ أحدٌ على نقشِ خاتمي". فإن كان الراوي حفظ اللفظ الآخر فيكون النهي عنه من باب حماية الذريعة، لئلا يتطرَّقَ بنقش العربي إلى نقش "محمد رسول الله"، فتذهبَ فائدة الاختصاص بالنقش المذكور، والله أعلم.
وقال عبد الله بن أحمد٢: حدثنا أبي، ثنا وكيعٌ، ثنا إسرائيل، عن سِماك بن حربٍ، عن عياضٍ الأشعري، عن أبي موسى ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: إنَّ لي كاتبًا نصرانيًّا، قال: ما لَك؟ قاتلك الله! أما سمعتَ الله
(١) برقم (٢٠٩١). وفي الباب حديث أنس عنده (٢٠٩٢) وعند البخاري (٥٨٧٧).
(٢) كما في "الجامع" للخلال (١/ ١٩٧) عنه. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٥٦) والبيهقي في "السنن" (١٠/ ١٢٧) و"الشعب" (٨٩٣٩) من طرق عن سماك بن حرب به. وإسناده جيِّد. والأثر أيضًا في "حسن السلوك" لابن الموصلي (ص ١٦١)، و"المذمة في استعمال أهل الذمة" لابن النقاش (ص ٢٧٠، ٢٧١) وعزاه إلى "مسند أحمد"، وهو وهْم.
تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ المائدة: ٥٣]، ألا اتخذتَ١ حنيفًا؟ قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين لي كتابتُه وله دِينه، قال: لا أُكرِمهم إذ أهانَهم الله، ولا أُعِزُّهم إذ أَذلَّهم الله، ولا أُدْنِيهم إذ أَقصاهم الله.
وكتب إليه بعض عُمَّاله يستشيره في استعمال الكفار، فقال: إن المال قد كثر، وليس يُحصيه إلا هم، فاكتبْ إلينا بما ترى. فكتب إليه: لا تُدخِلوهم في دينكم، ولا تُسلِّموهم ما منعهم الله منه، ولا تأمنوهم على أموالكم، وتعلَّموا [الكتابة] فإنما هي [حلية] الرجال٢.
وكتب إلى عماله: أما بعد، فإنه من كان قِبَلَه كاتبٌ من المشركين فلا يُعاشره ولا يُؤازِره ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه، فإن رسول الله ﷺ لم يأمر باستعمالهم، ولا خليفته من بعده٣.
وورد عليه كتاب معاوية بن أبي سفيان: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن في عملي كاتبًا نصرانيًّا لا يَتمُّ أمرُ الخراج إلا به، فكرهتُ أن أقلِّده دونَ أمرك، فكتب إليه: عافانا الله وإياك، قرأتُ كتابك في أمر النصراني، أما بعد، فإن
(١) في الأصل: "اتخذ". والمثبت يقتضيه السياق، وهو كذلك في "الجامع".
(٢) انظر: "منهج الصواب" (ص ١٨٣، ١٨٤)، و"المذمة في استعمال أهل الذمة" (ص ٢٧١)، و"الرياض النضرة" (٢/ ٣٦٢).