تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ المائدة: ٥٣]، ألا اتخذتَ١ حنيفًا؟ قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين لي كتابتُه وله دِينه، قال: لا أُكرِمهم إذ أهانَهم الله، ولا أُعِزُّهم إذ أَذلَّهم الله، ولا أُدْنِيهم إذ أَقصاهم الله.
وكتب إليه بعض عُمَّاله يستشيره في استعمال الكفار، فقال: إن المال قد كثر، وليس يُحصيه إلا هم، فاكتبْ إلينا بما ترى. فكتب إليه: لا تُدخِلوهم في دينكم، ولا تُسلِّموهم ما منعهم الله منه، ولا تأمنوهم على أموالكم، وتعلَّموا [الكتابة] فإنما هي [حلية] الرجال٢.
وكتب إلى عماله: أما بعد، فإنه من كان قِبَلَه كاتبٌ من المشركين فلا يُعاشره ولا يُؤازِره ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه، فإن رسول الله ﷺ لم يأمر باستعمالهم، ولا خليفته من بعده٣.
وورد عليه كتاب معاوية بن أبي سفيان: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن في عملي كاتبًا نصرانيًّا لا يَتمُّ أمرُ الخراج إلا به، فكرهتُ أن أقلِّده دونَ أمرك، فكتب إليه: عافانا الله وإياك، قرأتُ كتابك في أمر النصراني، أما بعد، فإن
(١) في الأصل: "اتخذ". والمثبت يقتضيه السياق، وهو كذلك في "الجامع".
(٢) انظر: "منهج الصواب" (ص ١٨٣، ١٨٤)، و"المذمة في استعمال أهل الذمة" (ص ٢٧١)، و"الرياض النضرة" (٢/ ٣٦٢).
(٣) انظر: "المذمة" (ص ٢٧١، ٢٧٢).
النصراني قد مات، والسلام١.
وكان لعمر ﵁ عبد نصراني فقال له: أسلِمْ حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين، فإنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم، فأبى، فأعتقه وقال: اذهَبْ حيث شئتَ٢.
وكتب إلى أبي هريرة٣﵁: أما بعدُ، فإن للناس نفرةً عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تُدركني وإياك. أَقِمِ الحدود ولو ساعةً من النهار. وإذا حضرك أمرانِ أحدهما لله والآخر للدنيا فآثِرْ نصيبَك من الله، فإن الدنيا تنفَدُ والآخرة تبقى. عُدْ مرضى المسلمين واشْهَدْ جنائزهم، وافتحْ بابَك وباشِرْهم. وأبعِدْ أهلَ الشرك٤ وأنكِرْ أفعالهم، ولا تَستعِنْ في أمرٍ من أمور المسلمين بمشركٍ. وساعِدْ على مصالح المسلمين بنفسك، فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك حاملًا لأثقالهم٥.
(١) الخبر في "المذمة" (ص ٢٧٢) وبنحوه في "حسن السلوك" لابن الموصلي (ص ١٦٢). وفيه "خالد بن الوليد" بدل "معاوية بن أبي سفيان".
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٩٠)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٤٣١ - التفسير)، وابن سعد في "الطبقات" (٦/ ١٥٨) وغيرهم. وانظر: "الدر المنثور" (٣/ ١٩٩).
(٣) كذا في الأصل، وفي مصدر التخريج: "أبي موسى الأشعري". ولكنه في "المذمة" (ص ٢٧٢) كما هنا.
(٤) في الأصل: "الشر". والتصويب من "المذمة" لابن النقاش (ص ٢٧٣) الذي نقل عن هذا الكتاب.
(٥) أخرجه الدِّينَوَري في "المجالسة" (١١٩٨)، وفي إسناده الفرات بن السائب وعبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، كلاهما متروك منكر الحديث.