وتحرّيهم لكونه أمرهم أن يقبضوا ما وجدوه لبني أمية. قال شبيبٌ: فطفتُ معه، فشبَّك أصابعه على أصابعي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أكلِّمك بما في نفسي؟ فقال: أنت وذاك، فقلت: إن الله لما قسم أقسامه بين خلقه لم يرضَ لك إلا بأعلاها وأسناها، ولم يجعل فوقك في الدنيا أحدًا، فلا ترضَ لنفسك أن يكون فوقك في الآخرة أحدٌ. يا أمير المؤمنين، اتّقِ الله، فإنها وصية الله إليكم جاءت، وعنكم قبلت، وإليكم تؤدّى، وما دعاني إلى قولي إلا محضُ النصيحة لك، والإشفاق عليك وعلى نعم الله عندك. اخفِضْ جناحَك إذا علا كعبك، وابسُطْ معروفك إذا أغنى الله يدك. يا أمير المؤمنين، إنَّ دون أبوابك نيرانًا تأجَّج من الظلم والجور، لا يُعمل فيها بكتاب الله ولا سنة نبيِّه محمد ﷺ. يا أمير المؤمنين، سلَّطتَ الذمة على المسلمين، ظلموهم وعسفوهم وأخذوا ضياعهم وغصبوهم أموالهم وجاروا عليهم، واتخذوك سُلَّمًا لشهواتهم، وإنهم لن يُغْنوا عنك من الله شيئًا يوم القيامة.
فقال المنصور: خذْ خاتمي فابعثْ به إلى من تعرفه من المسلمين، وقال: يا ربيعُ اكتبْ إلى الأعمال واصرِفْ مَن بها من الذمة، ومن أتاك به شَبِيبٌ فأعلِمْنا بمكانه لنُوقِّع باستخدامه.
فقال شبيبٌ: يا أمير المؤمنين، إن المسلمين لا يأتونك وهؤلاء الكفرة في جُمْلتك١، إن أطاعوهم أغضبوا الله، وإن أغضبوهم أغرَوك بهم، ولكن
(١) في المطبوع: "خدمتك" خلاف الأصل. وفي "المذمة" (ص ٢٧٩): "حملتك" تصحيف.
تُولِّي في١ اليوم الواحد عدةً، فكلما ولَّيتَ رجلًا عزلْتَ آخر٢.
فصل
وأما المهدي، فإن أهل الذمة في زمانه قويتْ شوكتهم، فاجتمع المسلمون إلى بعض الصالحين، وسألوه أن يُعرِّفه بذلك وينصحه، وكان له عادةٌ في حضور مجلسه، فاستُدْعِي للحضور عند المهدي فامتنع، فجاء المهدي إلى منزله وسأله السبب في تأخره، فقصَّ عليه القصة، وذكر اجتماع الناس إلى بابه متظلِّمين من ظلم الذمة، ثم أنشده٣:
بأبي وأمي ضاعت الأحلامأم ضاعت الأذهانُ والأفهام؟
من صدَّ عن دين النبي محمدٍألهُ بأمر المسلمين قيام؟
إن لا تكنْ أسيافُهم مشهورةًفينا، فتلك سيوفُهم أقلام
ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنك تحمَّلت أمانةَ هذه الأمة وقد عُرِضت على السماوات والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها، ثم سلَّمتَ الأمانةَ التي خصَّك الله بها إلى أهل الذمة دون المسلمين! يا أمير المؤمنين، أما سمعت تفسير جدِّك لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾[الكهف: ٤٨]، إن الصغيرة التبسم، والكبيرة
(١) في الأصل: "من".
(٢) أسنده أبو نُعيم في "فضيلة العادلين من الولاة" (٤٦) بنحوه.
(٣) الشعر مع الخبر في "حسن السلوك" (ص ١٦٣، ١٦٤)، و"المذمة" (ص ٢٨٠، ٢٨١).