أحكام أهل الذمة

تُولِّي في١ اليوم الواحد عدةً، فكلما ولَّيتَ رجلًا عزلْتَ آخر٢.

فصل

وأما المهدي، فإن أهل الذمة في زمانه قويتْ شوكتهم، فاجتمع المسلمون إلى بعض الصالحين، وسألوه أن يُعرِّفه بذلك وينصحه، وكان له عادةٌ في حضور مجلسه، فاستُدْعِي للحضور عند المهدي فامتنع، فجاء المهدي إلى منزله وسأله السبب في تأخره، فقصَّ عليه القصة، وذكر اجتماع الناس إلى بابه متظلِّمين من ظلم الذمة، ثم أنشده٣:

بأبي وأمي ضاعت الأحلامأم ضاعت الأذهانُ والأفهام؟
من صدَّ عن دين النبي محمدٍألهُ بأمر المسلمين قيام؟
إن لا تكنْ أسيافُهم مشهورةًفينا، فتلك سيوفُهم أقلام

ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنك تحمَّلت أمانةَ هذه الأمة وقد عُرِضت على السماوات والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها، ثم سلَّمتَ الأمانةَ التي خصَّك الله بها إلى أهل الذمة دون المسلمين! يا أمير المؤمنين، أما سمعت تفسير جدِّك لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٨]، إن الصغيرة التبسم، والكبيرة

  1. (١) في الأصل: "من".
  2. (٢) أسنده أبو نُعيم في "فضيلة العادلين من الولاة" (٤٦) بنحوه.
  3. (٣) الشعر مع الخبر في "حسن السلوك" (ص ١٦٣، ١٦٤)، و"المذمة" (ص ٢٨٠، ٢٨١).
309

القهقهة١، فما ظنك بأموال المسلمين وأماناتهم وأسرارهم؟! وقد نصحتُك، وهذه النصيحة حجةٌ عليَّ ما لم تصل إليك.

فولَّى عُمارة بن حمزة٢ أعمال الأهواز وكُوَرَ دجلة وكُورَ فارس، وقلَّد حمَّادًا أعمالَ السواد، وأمره أن ينزل إلى الأنبار وإلى جميع الأعمال، ولا يترك أحدًا من الذمة يكتب لأحدٍ من العمَّال، وإن علم أن أحدًا من المسلمين استكتب أحدًا من النصارى قطعت يده، فقطعت يد شاهويه٣ وجماعةٍ من الكتَّاب٤.

وكان للمهدي على بعض ضياعه كاتبٌ نصراني بالبصرة، فظلم الناس في معاملته، فتظلَّم المتظلمون إلى سوَّار بن عبد الله القاضي، فأحضر وكلاء النصراني واستدعي بالبينة، فشهدت على النصراني بظلم الناس وتعدِّي مناهج الحق، ومضى النصراني فأخذ كتاب المهدي إلى القاضي سوَّارٍ بالتثبت في أمره، فجاء البصرةَ ومعه الكتاب وجماعةٌ من حمقى النصارى،

  1. (١) هذا التفسير مروي عن ابن عباس في "ذم الغيبة" لابن أبي الدنيا (١٥٣) وتفسير ابن أبي حاتم، كما عزاه إليهما السيوطي في "الدر المنثور" (٩/ ٥٦٤).
  2. (٢) مولى بني هاشم، من ولد عكرمة مولى ابن عباس. كان أحد الكتَّاب البلغاء، ولي ولاياتٍ جليلة للمنصور والمهدي. توفي سنة ١٩٩. انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٢٨٠)، و"معجم الأدباء" (٥/ ٢٠٥٤).
  3. (٣) في الأصل: "شاهونة"، وفي "المذمة": "ساهونة". وفي "منهج الصواب": "شاهويه الواسطي". وهو أقرب.
  4. (٤) انظر: "منهج الصواب" (ص ٢٠٠، ٢٠١).
310

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي