القهقهة١، فما ظنك بأموال المسلمين وأماناتهم وأسرارهم؟! وقد نصحتُك، وهذه النصيحة حجةٌ عليَّ ما لم تصل إليك.
فولَّى عُمارة بن حمزة٢ أعمال الأهواز وكُوَرَ دجلة وكُورَ فارس، وقلَّد حمَّادًا أعمالَ السواد، وأمره أن ينزل إلى الأنبار وإلى جميع الأعمال، ولا يترك أحدًا من الذمة يكتب لأحدٍ من العمَّال، وإن علم أن أحدًا من المسلمين استكتب أحدًا من النصارى قطعت يده، فقطعت يد شاهويه٣ وجماعةٍ من الكتَّاب٤.
وكان للمهدي على بعض ضياعه كاتبٌ نصراني بالبصرة، فظلم الناس في معاملته، فتظلَّم المتظلمون إلى سوَّار بن عبد الله القاضي، فأحضر وكلاء النصراني واستدعي بالبينة، فشهدت على النصراني بظلم الناس وتعدِّي مناهج الحق، ومضى النصراني فأخذ كتاب المهدي إلى القاضي سوَّارٍ بالتثبت في أمره، فجاء البصرةَ ومعه الكتاب وجماعةٌ من حمقى النصارى،
(١) هذا التفسير مروي عن ابن عباس في "ذم الغيبة" لابن أبي الدنيا (١٥٣) وتفسير ابن أبي حاتم، كما عزاه إليهما السيوطي في "الدر المنثور" (٩/ ٥٦٤).
(٢) مولى بني هاشم، من ولد عكرمة مولى ابن عباس. كان أحد الكتَّاب البلغاء، ولي ولاياتٍ جليلة للمنصور والمهدي. توفي سنة ١٩٩. انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٢٨٠)، و"معجم الأدباء" (٥/ ٢٠٥٤).
(٣) في الأصل: "شاهونة"، وفي "المذمة": "ساهونة". وفي "منهج الصواب": "شاهويه الواسطي". وهو أقرب.
(٤) انظر: "منهج الصواب" (ص ٢٠٠، ٢٠١).
وجاؤوا إلى المسجد فوجدوا سوَّارًا جالسًا للحكم بين المسلمين، فدخل المسجد وتجاوز الموضع الذي كان يجب الوقوف عنده١، فمنعه الخَدَمُ فلم يعبأ بهم وسبَّهم، ودنا حتى جلس عن يمين سوَّارٍ ودفع له الكتاب، فوضعه بين يديه، ولم يقرأه وقال: ألستَ نصرانيًّا؟ فقال: بلى أصلح الله القاضي، فرفع رأسه وقال: جُرُّوا برجله، فسُحِبَ إلى باب المسجد وأدَّبه تأديبًا بالغًا، وحلفَ أن لا يبرحَ واقفًا إلى أن يوفّي المسلمين حقوقهم، فقال له كاتبه: قد فعلتَ اليوم أمرًا يُخاف أن تكون له عاقبةٌ، فقال: أعِزَّ أمرَ الله يُعِزَّك الله٢.
فصل
وأما هارون الرشيد، فإنه لما قلَّد الفضل بن يحيى أعمال خراسان، وجعفرًا أخاه ديوانَ الخراج، وأمرهما بالنظر في مصالح المسلمين، فعمرت المساجد والجوامع والصهاريج٣ والسِّقايات٤، وجَعلَ في المكاتب مكاتبًا لليتامى، وصَرفَ الذمة عن أعمالهم، واستعمل المسلمين عوضًا منهم، وغيَّر زيَّهم ولباسهم، وخرَّب الكنائس، وأفتاه بذلك علماء الإسلام٥.