أحكام أهل الذمة

يَستحِثُّني، فبادرتُ إليه، فلما وقف على الكتاب زاد فيه بخطه: "نفيتُ عن العباس؛ لئن خالفتَ فيما أمرتُ به لأوجِّهن من يجيئني برأسك". ووصل الشيخَ بألف دينارٍ، وبعث معه حاجبًا، وكثر تظلُّم الناس من كتَّاب أهل الذمة وتتابعت الإغاثات١.

وحجَّ المتوكل٢ تلك السنة، فرُئِي رجل يطوف بالبيت ويدعو على المتوكل، فأخذه الحرس وجاؤوا به سريعًا، فأمر بمعاقبته، فقال له: والله يا أمير المؤمنين، ما قلتُ ما قلتُه إلا وقد أيقنتُ بالقتل، فاسمعْ كلامي ومُرْ بقتلي، فقال: قل، فقال: سأُطلِق لساني بما يُرضي الله ورسوله ويُغضِبك يا أمير المؤمنين، قد اكتنفتْ دولتَك كُتَّابٌ من الذمة أحسنوا الاختيار لأنفسهم، وأساؤوا الاختيار للمسلمين، وابتاعوا دنياهم بآخرة أمير المؤمنين، خِفْتَهم ولم تَخَفِ الله، وأنت مسؤولٌ عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحتَ، فلا تُصلِحْ دنياهم بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقةً يوم القيامة من أصلح دنيا غيره بفسادِ آخرته، واذكر ليلةً تتمخَّضُ صبيحتها عن يوم القيامة، وأول ليلةٍ يخلو المرء في قبره بعمله. فبكى المتوكل إلى أن غُشِي عليه، وطُلِب الرجل فلم يوجد، فخرج أمره بلُبْسِ النصارى واليهود الثيابَ العسلي٣،

  1. (١) لم أجد الخبر إلا في "المذمة".
  2. (٢) الخبر في "صبح الأعشى" (١٣/ ٣٦٦ وما بعدها)، و"مآثر الإنافة" (٣/ ٢٢٨ وما بعدها)، و"المذمة" لابن النقاش (ص ٢٩٢ وما بعدها).
  3. (٣) أي ما كان لونه لون العسل من الثياب.
316

وأن لا يُمكَّنوا من لُبس البياض١ لئلا يتشبهوا بالمسلمين، ولتكنْ رُكُبُهم٢ خشبًا، وأن تُهدَم بِيَعُهم المستجدّة، وأن تُطبَّق عليهم الجزية، ولا يُفسَحَ لهم في دخول حمامات المسلمين، وأن تُفرَد لهم حماماتٌ خَدَمُها ذمةٌ، ولا يَستخدموا مسلمًا في حوائجهم لنفوسهم، وأَفردَ لهم من يحتسب عليهم، وكتب كتابًا نسخته٣:

أما بعد، فإن الله اصطفى الإسلام دينًا، فشرَّفه وكرَّمه وأناره ونصره٤ وأظهره وفضَّله وأكملَه، فهو الدين لا يُقبل غيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٤]، بعث به صفيَّه وخِيَرتَه من خلقه محمدًا ﷺ، فجعله خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد المرسلين: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩]، وأنزل كتابًا عزيزًا: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١]، أسعدَ به أمتَه وجعلَهم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ

  1. (١) في الأصل: "الثياب". والتصويب من "مآثر الإنافة".
  2. (٢) جمع رِكاب: وهو للسَّرج ما توضع فيه الرِّجل، وهما ركابان.
  3. (٣) الكتاب بطوله في "صبح الأعشى" (١٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، و"مآثر الإنافة" (٣/ ٢٢٩ وما بعدها). وفي "تاريخ الطبري" (٩/ ١٧٢ - ١٧٤) كتاب آخر من المتوكل إلى عمَّاله في الآفاق في هذا الموضوع.
  4. (٤) في "مآثر الإنافة": "ونضره".
317

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي