أحكام أهل الذمة

بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].

وصلى الله على الذي رفعه باصطفائه إلى محلِّه المنيف، وبعثه إلى الناس كافةً بالدين القيم الحنيف، وجعله أفضلَ من كان وأفضلَ من يكون، وأرسله ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، فكانت نبوته لظهر الكفرِ قاصمةً، وشريعتُه لمن لاذَ بها ولجأ إليها من كل شرٍّ عاصمةً، وحججُه لمن عاند وكفر خاصمةً، حتى أذعنَ المعاندون واعترف الجاحدون وذلَّ المشركون، و﴿جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨]، وأشرقَ وجهُ الدهر برسالته ضياءً وابتهاجًا، ودخل الناس بدعوته في دين الله أفواجًا، وأشرقت على الوجود شمسُ الإسلام، واتسقَ قمرُ الإيمان، وولَّت على أدبارها مهزومةً عساكر الشيطان.

ورضي الله عن أصحابه وخلفائه الذين اتبعوا سنتَه، وابتغَوا في القيام بها رضوانَه، ووقفوا عند شرعه، فأعزُّوا من أعزَّه وأهانوا من أهانَه.

أما بعد، فإن الله سبحانه ببالغِ حكمته وسابغِ نعمته شرَّفَ دين الإسلام وطهَّره من الأدناس، وجعل أهله خير أمةٍ أخرجت للناس. فالإسلام الدين القويم الذي اصطفاه الله من الأديان لنفسه، وجعله دين أنبيائه ورسله وملائكة قُدْسِه، فارتضاه واختاره. وجعل خيرَ عباده وخاصَّتَه هم أولياءَه وأنصارَه، يحافظون على حدوده ويثابرون، ويدعون إليه ويذكرون، ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم بآيات ربهم يؤمنون،

326

وإلى مرضاته يسارعون، ولمن خرج عن دينه يجاهدون، ولعباده بجهدهم ينصحون، وعلى طاعته يثابرون، وعلى صلواتهم يحافظون، وعلى ربهم يتوكَّلون، وبالآخرة هم يوقنون، ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤].

هذا، وإن أمةً هداها الله إلى دينه القويم، وجعلها ــ دون الأمم الجاحدة ــ على صراطٍ مستقيمٍ، تُوفِي من الأمم سبعين، هم خيرها وأكرمها على رب العالمين= حقيقةٌ بأن لا تُوالي من الأمم سواها، ولا تستعين بمن خان١ الله خالقَه ورازقَه وعبدَ من دونه إلهًا، فكذَّب رسلَه وعصى أمره، واتبع غير سبيله، واتخذ الشيطان وليًّا من دونه.

ومعلومٌ أن اليهود والنصارى موسومون بغضب الله ولعنته، والشرك به والجحد لوحدانيته، وقد فرض الله على عباده في جميع صلواتهم أن يسألوه هدايةَ سبيل الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتجنُّبَهم سبيلَ الذين أبعدهم من رحمته وطردَهم عن جنته، فباؤوا بغضبه ولعنته، من المغضوب عليهم والضالين. فالأمة الغضبية هم اليهود بنصّ القرآن، وأمة الضلال هم النصارى المثلِّثة عُبَّاد الصلبان.

وقد أخبر تعالى عن اليهود بأنهم بالذلة والمسكنة والغضب موسومون، فقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ

  1. (١) في الأصل: "خاف". وفي "صبح الأعشى": "حادّ".
327

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي