وقد أخبر سبحانه عن أهل الكتاب أنهم يعتقدون أنهم ليس عليهم إثم ولا خطيئةٌ في خيانة المسلمين وأخْذِ أموالهم، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[آل عمران: ٧٤].
والآيات في هذا كثيرةٌ، وفي بعض هذا كفايةٌ.
فصل١
ولما كانت الوِلاية شقيقةَ الوَلاية كانت توليتهم نوعًا من تَوَلِّيهم، وقد حكم تعالى بأن من تولَّاهم فإنه منهم، ولا يتمُّ الإيمان إلا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع البراءة والولاية أبدًا، والولاية إعزازٌ، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا، والولاية صلةٌ، فلا تُجامِع معاداةَ الكافر أبدًا.
فصل٢
ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى الكتَّاب، ومكاتبتهم الفرنجَ أعداء الإسلام، وتمنِّيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله، وسعيهم في ذلك بجهد الأمكان= لثَناهم ذلك عن تقريبهم وتقليدهم الأعمال.
(١) هذا الفصل أيضًا بتمامه في "المذمة" لابن النقاش (ص ٢٦٦، ٢٦٧).
(٢) نقله ابن النقاش في "المذمة" (ص ٣١٧ وما بعدها). والخبر في "الرد على أهل الذمة" لابن الواسطي (ص ٥٧).
وهذا المَلِك الصالح١ كان في دولته نصراني يُسمَّى بخاصِّ الدولة أبي٢ الفضائل بن دخانٍ، ولم يكن في المباشرين أمكنُ منه. وكان المذكور قَذاةً في عين دين الإسلام، وبَثْرةً في وجه الدين، ومثالبه في الصحف مسطورةٌ، ومخازيه مخلَّدةٌ مذكورةٌ، حتى بلغ مِن أمره أنه وقَّع لرجلٍ نصراني أسلم بردِّه إلى دين النصرانية، وخروجه من الملة الإسلامية. ولم يزل يكاتب الفرنجَ بأخبار المسلمين وعمَّالهم، وأمر الدولة وتفاصيل أحوالها. وكان مجلسه معمورًا برسل الفرنج والنصارى، وهم مُكْرَمون لديه وحوائجهم مقضيَّةٌ عنده، ويُحمل لهم الأَدرار والضِّيافات، وأكابر المسلمين محجوبون على الباب لا يؤذن لهم، وإذا دخلوا لم يُنْصَفوا في التحية ولا في الكلام.
فاجتمع به بعض أكابر الكتَّاب فلامَه على ذلك، وحذَّره من سوء عاقبة صُنْعه، فلم يزِدْه ذلك إلا تمرُّدًا. فلم يمضِ على ذلك إلا يسيرٌ حتى اجتمع في مجلس الصالح أكابرُ الناس من الكتّاب والقضاة والعلماء، فسأل السلطان بعضَ الجماعة٣ عن أمرٍ أفضى به إلى ذكر مخازي النصارى، فبسط لسانه
(١) المقصود به هنا طلائع بن رزّيك (٤٩٥ - ٥٥٦)، لا نجم الدين أيوب (٦٠٣ - ٦٤٧)، وكلاهما لقّب بالملك الصالح. وخاصّ الدولة ابن دخان كان أشهر كتاب النصارى في وزارة طلائع بن رزّيك.
(٢) في الأصل: "محاضر الدولة أبا" تحريف. والمثبت من "تجريد سيف الهمة" للنابلسي و"المذمة". ويقال: "خاصة الدولة" كما في "النكت العصرية" (ص ٩٠) طبعة باريس، و"تاريخ أبي صالح الأرمني" (ص ٤١) طبعة أكسفورد.
(٣) هو الشيخ زين الدين بن نجا الواعظ الحنبلي (ت ٥٩٩)، كما في كتاب ابن الواسطي (ص ٥٧). وترجمته في "تاريخ الإسلام" (١٢/ ١١٧٥) و"ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٣٦).