وقال حنبلٌ١: سمعت أبا عبد الله يقول: تؤكل ذبيحة اليهودي والنصراني.
وقال إسحاق بن منصورٍ٢: قال أبو عبد الله: لا بأسَ أن يذبح أهل الكتاب للمسلمين غيرَ النسيكة.
وقال حنبلٌ٣: سمعت أبا عبد الله قال: لا بأسَ بذبيحة أهل الكتاب إذا هلَّلوا لله وسمَّوا عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسمُ اُللَّهِ عَلَيْهِ﴾[الأنعام: ١٢٢]، والمسلم فيه اسم الله. وما أُهِلَّ لغير الله به مما ذبحوا لكنائسهم وأعيادهم يجتنب ذلك، وأهل الكتاب يسمُّون على ذبائحهم أحبُّ إلي.
وقال مهنا بن يحيى٤: سألت أبا عبد الله عن ذبائح السامرة، قال: تؤكل، هم من أهل الكتاب.
وقال عبد الله بن أحمد٥: قال أبي: لا بأسَ بذبائح أهل الحرب إذا كانوا أهلَ الكتاب.
(١) "الجامع" (١٠١٠).
(٢) المصدر نفسه (١٠١١).
(٣) المصدر نفسه (١٠١٢).
(٤) المصدر نفسه (١٠١٩).
(٥) المصدر نفسه (١٠٢٢).
وقال ابن المنذر١: أجمع على هذا كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم.
وتفرَّدت الشيعة دون الأمة بتحريم ذبائحهم، واحتجُّوا بأن الذكاة الشرعية لم تدركها، وبأنه إجماع أهل البيت، وبأن التسمية شرطٌ في الحلِّ، ولا يُعلم أنهم يُسَمُّون، وخبرهم لا يقبل، وبأنهم لو سمَّوا لم يسمُّوا الله في الحقيقة؛ لأنهم غير عارفين بالله. قالوا: والآية مخصوصةٌ بما سوى الذبائح لما ذكرنا من الدليل.
وهذا القول مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فلا يُلتفت إليه٢.
وأما احتجاجهم بأن الذكاة الشرعية لم تدركها، فإن أرادوا بالذكاة الشرعية ما أباح الله ورسوله الأكلَ بها فهذه ذكاةٌ شرعيةٌ، وإن أُريد بها ذكاة المسلم لم يلزم من نفيها نفْيُ الحلّ، ويصير الدليل هكذا: لأن ذكاة المسلم لم تُدرِكها، فغيَّروا العبارة وقالوا: لم تدركها الذكاة الشرعية.
وأما قولهم: إنه إجماع أهل البيت، فكذبٌ على أهل البيت. وللشيعة طريقةٌ معروفةٌ، يقولون لكل ما تفرَّدوا به عن جماعة المسلمين: هذا إجماع أهل البيت! وهذا عبد الله بن عباس عالم أهل البيت يقول: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوَّجوا من نسائهم، فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة: ٥١]، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا
(١) "الإشراف" (٣/ ٤٤٢)، والمؤلف صادر عن "المغني" (١٣/ ٢٩٣).