حدثنا علي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: ما ذُبِح للكنيسة فلا تأكلْه١.
وقال حمادٌ: كُلْ ما لم تسمعهم أهلُّوا به لغير الله. وكرهه مجاهدٌ وطاوسٌ، وكرهه ميمون بن مهران٢.
وقال القاضي إسماعيل: وكان مالك يكره ذلك من غير أن يوجب فيه تحريمًا٣.
قال المبيحون: هذا من طعامهم، وقد أباح الله لنا طعامهم من غير تخصيصٍ، وقد علم سبحانه أنهم يسمُّون غيرَ اسمه.
قال المحرِّمون: قد صرَّح القرآن بتحريم ما أُهِلَّ به لغير الله، وهذا عامٌّ في ذبيحة الوثني والكتابي إذا أهلَّ بها لغير الله، وإباحة ذبائحهم وإن كانت مطلقةً لكنها مقيدةٌ بما لم يهلُّوا به لغيره، فلا يجوز تعطيل المقيّد وإلغاؤه، بل يُحمل المطلق على المقيّد.
قال الآخرون٤: بل هذا من باب العام والخاص، فأما ما أهلَّ به لغير
(١) علَّقه ابن حزم (٧/ ٤١١) عن ابن عمر.
(٢) أثر ميمون بن مهران أخرجه الخلال في "الجامع" (٢/ ٤٤٥). ولم أجد قول مجاهد وطاوس.
(٣) إلى هنا انتهى النقل الطويل من "أحكام القرآن" لإسماعيل القاضي.
(٤) أي المبيحون.
الله عامٌّ١ في الكتابي وغيره، خصَّ منه ذبيحة الكتابي فبقيت الآية على عمومها في غيره.
قال الآخرون٢ بل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ اُلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾[المائدة: ٦]، عامٌّ فيما أهلُّوا به لله وما أهلُّوا به لغيره، خصَّ منه ما أهلَّ به لغيره، فبقي اللفظ على عمومه فيما عداه، قالوا: وهذا أولى لوجوهٍ.
أحدها: أنه قد نصَّ سبحانه على تحريم ما لم يُذكر عليه اسمه، ونهى عن أكله، وأخبر أنه فسقٌ. وهذا تنبيهٌ على أن ما ذُكر عليه اسم غيره أشدُّ تحريمًا وأولى بأن يكون فسقًا.
الثاني: أن قوله: ﴿وَطَعَامُ اُلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ قد خُصَّ بالإجماع٣، وأما ما أُهِلَّ به لغير الله فلم يُخصَّ بالإجماع، فكان الأخذ بالعموم الذي لم يُجمَع على تخصيصه أولى من العموم الذي قد أُجمِع على تخصيصه.
الثالث: أن الله سبحانه قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾[البقرة: ١٧٢]، فحصر التحريم في هذه الأربعة، فإنها محرَّمةٌ في كل ملةٍ، لا تباح بحالٍ إلا عند الضرورة، وبدأ بالأخفِّ تحريمًا ثم بما هو أشدُّ منه، فإن تحريم الميتة دون تحريم الدم، فإنه
(١) كذا في الأصل بدون الفاء.
(٢) أي المحرمون.
(٣) في نحو الخنزير وغيره، فإنه لا يحل بالإجماع ولو كان من طعامهم.