أحكام أهل الذمة

الله عامٌّ١ في الكتابي وغيره، خصَّ منه ذبيحة الكتابي فبقيت الآية على عمومها في غيره.

قال الآخرون٢ بل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ اُلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، عامٌّ فيما أهلُّوا به لله وما أهلُّوا به لغيره، خصَّ منه ما أهلَّ به لغيره، فبقي اللفظ على عمومه فيما عداه، قالوا: وهذا أولى لوجوهٍ.

أحدها: أنه قد نصَّ سبحانه على تحريم ما لم يُذكر عليه اسمه، ونهى عن أكله، وأخبر أنه فسقٌ. وهذا تنبيهٌ على أن ما ذُكر عليه اسم غيره أشدُّ تحريمًا وأولى بأن يكون فسقًا.

الثاني: أن قوله: ﴿وَطَعَامُ اُلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ قد خُصَّ بالإجماع٣، وأما ما أُهِلَّ به لغير الله فلم يُخصَّ بالإجماع، فكان الأخذ بالعموم الذي لم يُجمَع على تخصيصه أولى من العموم الذي قد أُجمِع على تخصيصه.

الثالث: أن الله سبحانه قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، فحصر التحريم في هذه الأربعة، فإنها محرَّمةٌ في كل ملةٍ، لا تباح بحالٍ إلا عند الضرورة، وبدأ بالأخفِّ تحريمًا ثم بما هو أشدُّ منه، فإن تحريم الميتة دون تحريم الدم، فإنه

  1. (١) كذا في الأصل بدون الفاء.
  2. (٢) أي المحرمون.
  3. (٣) في نحو الخنزير وغيره، فإنه لا يحل بالإجماع ولو كان من طعامهم.
358

أخبث منها، ولحم الخنزير أخبث منهما، وما أهلَّ به لغير الله أخبث الأربعة.

ونظير هذا قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١]، فبدأ بالأسهل تحريمًا ثم ما هو أشدُّ منه إلى أن ختم بأغلظ المحرمات، وهو القول عليه بلا علمٍ. فما أُهِلَّ به لغير الله في الدرجة الرابعة من المحرمات.

الرابع: أن ما أهلَّ به لغير الله لا يجوز أن تأتي شريعةٌ بإباحته أصلًا، فإنه بمنزلة عبادة غير الله. وكل ملةٍ لا بدَّ فيها من صلاةٍ ونسكٍ، ولم يشرع الله على لسان رسولٍ من رسله أن يصلي لغيره، ولا ينسك لغيره، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٤ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٤ - ١٦٥].

الخامس: أن ما أُهلَّ به لغير الله تحريمه من باب تحريم الشرك، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير من باب تحريم الخبائث والمعاصي.

السادس: أنه إذا خُصَّ من طعام الذين أوتوا الكتاب ما يستحلُّونه من الميتة والدم ولحم الخنزير؛ فلأن يُخصَّ منه ما يستحلُّونه مما أهِلَّ به لغير الله أولى وأحرى.

السابع: أنه ليس المراد من طعامهم ما يستحلُّونه وإن كان محرمًا عليهم، فهذا لا يمكن القول به، بل المراد به ما أباحه الله لهم فلا يحرم علينا أكله، فإن الخنزير من طعامهم الذي يستحلُّونه ولا يُباح لنا، وتحريم ما أهلَّ

359

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي