أحكام أهل الذمة

قالوا: والمعتمد في المسألة أن الله سبحانه حرَّم ذلك عليهم، والتحريم باقٍ لم يُنسَخ إلا عمن التزم الشريعة الإسلامية، ويدلُّ على بقاء التحريم وجوهٌ:

أحدها: أن الله سبحانه أخبر بأنه حرَّمه ولم يُخبِر بأنه نسخَه بعد تحريمه، وإنما يزول التحريم عمن التزم الإسلام.

الثاني: أنه علَّل التحريم بالبغي، وهو لم يزل بكفرهم بمحمد ﷺ.

الثالث: ما في "الصحيح"١ عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله اليهودَ حُرِّمتْ عليهم الشحومُ فجَمَلُوها، فباعوها وأكلوا أثمانَها".

وفي "المسند"٢ عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: "لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحومُ، فباعوها وأكلوا أثمانَها، وإنَّ الله لم يُحرِّم على قومٍ أكلَ شيءٍ إلا حرَّم عليهم ثمنَه".

فلو كان التحريم قد زال عنهم لم يلعنهم على فعل المباح.

قالوا: ولا يمتنع ورود الشرع بإقرارهم على آصارهم وأغلالهم تغليظًا عليهم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ اَلسَّبْتُ عَلَى اَلَّذِينَ اَخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤]، فأخبر أنه جعل عليهم، ولم يخبر بأنه رفعه عنهم، وإنما يرفع عمن التزم أحكام الإسلام.

  1. (١) للبخاري (٢٢٣٦) ومسلم (١٥٨١) بنحوه.
  2. (٢) برقم (٢٢٢١، ٢٦٧٨)، وإسناده جيِّد.
367

وفي بقاء تحريمه عليهم قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب أحمد، وعلى أحد القولين نُلزمهم به، ولا نُمكِّنهم من كسره.

وقد نصَّ أحمد على بقاء تحريم الشحوم عليهم١، فقال في رواية ابنه عبد الله٢: لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُطعِم يهوديًّا شحمًا، لأنه محرَّمٌ عليه.

قال أبو بكر عبد العزيز٣: ويدلُّ على التحريم أن المسلم لما لم تعمل ذكاته فيما حرم عليه، فاليهودي أولى.

قال: فذكاة اليهودي لا تعمل في الشحم، كما لا تعمل ذكاة المسلم في الغُدَّة وأُذنِ القلب٤، لنهي النبي ﷺ.

قال: وقد نصَّ أحمد على ذلك، فقال ابن منصورٍ٥: قلت لأحمد: آكل أذن القلب؟ فقال: لا تؤكل. وقال عبد الله٦: قلت لأبي: الغدة؟ فقال: لا تؤكل، النبي ﷺ كرهها.

وقد روى الدارقطني٧ من حديث بقية بن الوليد، عن أبي المنذر، عن

  1. (١) انظر: "الروايتين والوجهين" (٣/ ٣٧)، و"الجامع" للخلال (٢/ ٤٤٣).
  2. (٢) كما في "الجامع" (٢/ ٤٤٣).
  3. (٣) لم أجد كلامه في "زاد المسافر".
  4. (٤) أذن القلب: إحدى الزنمتين في أعلى القلب، فهما أذنا القلب.
  5. (٥) لم أجده في "مسائله" المطبوعة.
  6. (٦) "مسائله" (ص ٢٧٢).
  7. (٧) لم أجده في "سننه"، ولا في "أطراف الغرائب والأفراد". والإسناد غريب، ولم أعرف أبا المنذر وعبد الله بن زيد.
368

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي