علينا لكونهم لا يعتقدون حلَّه أم لا؟ فالجمهور لا يحرمونه، وهذا هو الصواب قطعًا؛ لأن تحريم هذا إنما عُلِم من جهتهم لا بنصّ التوراة، فلا يُقبل قولهم فيه، بخلاف تحريم ذي الظُّفر والشحوم المحرمة.
وقد ذكرنا في كتاب "الهداية"١ سبب هذا التحريم، ومن أين نشأ، وأن التوراة لم تُحرِّمه، وأنهم غلطوا على التوراة في تحريمه، وذكرنا نصَّ التوراة وأنهم حملوه على غير محمله.
وذهب أصحاب مالك إلى تحريمه طردًا لهذا الأصل، وأنه ليس من طعامهم٢. وهذا ليس بمنصوصٍ عن مالك ولا هو مقتضى أصوله، والذابح في هذه الصورة اعتقد حلَّ المذبوح وأنه من طعامه، بخلاف ذابحِ ذي الظفر، وتحريم هذا غير ثابتٍ بالنص، بخلاف تحريم ذي الظفر، فلا يصح إلحاق أحدهما بالآخر، والله أعلم.
ثبت عن النبي ﷺ أنه اشترى من يهودي سِلعةً إلى الميسرة١.
وثبت عنه أنه أخذ من يهودي ثلاثين وَسَقًا من شعيرٍ، ورَهَنَه دِرْعَه٢.
وفيه دليل على جواز معاملتهم، ورهْنهم السلاح، وعلى الرهن في الحضر.
وثبت عنه أنه زارَعَهم وساقاهم٣.
وثبت عنه أنه أكل من طعامهم.
وفي ذلك كلِّه قبولُ قولهم: إن ذلك الشيء مِلْكُهم.
قال حنبلٌ٤: سمعت أبا عبد الله في الرجل يجيئه الذمي يشتري منه المتاع، فيُماكِسُه مِكاسًا شديدًا، فيبيعه المتاع، ثم يجيء بعد ذلك المسلم
(١) أخرجه أحمد (٢٥١٤١) والترمذي (١٢١٣) والنسائي (٤٦٢٨) من حديث عائشة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وظاهر الحديث أن البيع لم يتم وأن اليهودي لم يوافق حين سأله النبي ﷺ أن يبيع له ثوبين إلى الميسرة.
(٢) أخرجه البخاري (٢٩١٦) ومسلم (١٦٠٣) من حديث عائشة ﵂.