فتأملْ هذا الفقه، كيف جعل ما قبضه النصراني من الخمر أو الخنزير من حصته وحده، حيث لم يُجِز للمسلم مشاركته فيه، وجعل الخمسين الباقية كلها للمسلم؛ لأن المعاوضة صحَّت بالنسبة إلى النصراني ولم تصح بالنسبة إلى المسلم، وهي معاوضةٌ من أحد الشريكين، فصحَّحها في حقه دون شريكه.
فصل
في استئجارهم واستئجار المسلم نفسه منهم
أما استئجارهم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه استأجر دليلًا يدلُّه على طريق الهجرة، وكان مشركًا، فأَمِنَه ودفع إليه راحلته هو والصديق١.
وأما إيجارهم نفسه فهي مسألة تفصيلٍ، ونحن نذكر نصوص أحمد.
قال إسحاق بن إبراهيم٢: سمعت أبا عبد الله وسأله رجل بنَّاءٌ: أبني للمجوس٣ ناووسًا٤؟ قال: لا تبنِ لهم، ولا تُعِنْهم على ما هم فيه.
وقال محمد بن عبد الحكم٥: سألت أبا عبد الله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرًا بكراءٍ، قال: لا بأس به.
وليس هذا باختلاف رواية. قال شيخنا٦: والفرق بينهما أن الناووس
- (١) أخرجه البخاري (٢٢٦٣) من حديث عائشة.
- (٢) كما في "الجامع" للخلال (٣٤٠).
- (٣) في الأصل: "للمجو".
- (٤) الناووس: صندوق من خشب أو نحوه توضع فيه جثة الميت.
- (٥) كذا في الأصل، والصواب: محمد بن الحكم كما في "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٩٥). والنص في "الجامع" للخلال (٣٣٧) بإسناده إليه: (أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا بكر بن محمد عن أبيه) فاختصره المؤلف وتوهم أنه "محمد بن عبد الحكم". وهو على الصواب في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٢١).
- (٦) في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٢١).