أما استئجارهم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه استأجر دليلًا يدلُّه على طريق الهجرة، وكان مشركًا، فأَمِنَه ودفع إليه راحلته هو والصديق١.
وأما إيجارهم نفسه فهي مسألة تفصيلٍ، ونحن نذكر نصوص أحمد.
قال إسحاق بن إبراهيم٢: سمعت أبا عبد الله وسأله رجل بنَّاءٌ: أبني للمجوس٣ ناووسًا٤؟ قال: لا تبنِ لهم، ولا تُعِنْهم على ما هم فيه.
وقال محمد بن عبد الحكم٥: سألت أبا عبد الله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرًا بكراءٍ، قال: لا بأس به.
وليس هذا باختلاف رواية. قال شيخنا٦: والفرق بينهما أن الناووس
(١) أخرجه البخاري (٢٢٦٣) من حديث عائشة.
(٢) كما في "الجامع" للخلال (٣٤٠).
(٣) في الأصل: "للمجو".
(٤) الناووس: صندوق من خشب أو نحوه توضع فيه جثة الميت.
(٥) كذا في الأصل، والصواب: محمد بن الحكم كما في "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٩٥). والنص في "الجامع" للخلال (٣٣٧) بإسناده إليه: (أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا بكر بن محمد عن أبيه) فاختصره المؤلف وتوهم أنه "محمد بن عبد الحكم". وهو على الصواب في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٢١).
(٦) في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٢١).
من خصائص دينهم الباطل فهو كالكنيسة، بخلاف القبر المطلق؛ فإنه ليس في نفسه معصيةً ولا من خصائص دينهم.
وقال إسحاق بن منصورٍ١: قيل لأبي عبد الله: يؤاجر الرجل نفسه [من اليهودي والنصراني؟ قال: لا بأس، نعم].
[وقال مهنا٢: قلت لأحمد: هل تكره للمسلم يؤاجر نفسه] للمجوسي؟ قال: لا.
قال٣: وسألت أحمد قلت: يُكرِي الرجل نفسَه لمجوسي، يخدمه ويذهب في حوائجه؟ قال: لا بأس، قلت له: فيقول له: لبيك إذا دعاه؟ قال: لا.
وقد قال في رواية الأثرم٤: إن آجر نفسه من الذمي في خدمته لم يجز، وإن كان في عملِ شيء جاز.
وقال في رواية أحمد بن سعيد٥: لا بأس أن يؤاجر نفسه من الذمي.
فهذه ثلاث رواياتٍ عنه: رواية مطلقةٌ بالجواز، ورواية مصرحةٌ بالمنع
(١) "الجامع" للخلال (٣٣٥)، وهو في "مسائله" (٢/ ٨١). وقد تداخلت الروايتان في الأصل، فميَّزنا بينهما بالاعتماد على مصدر المؤلف، ووضعنا الزيادة بين معكوفتين.
(٢) المصدر نفسه (٣٣٦).
(٣) المصدر نفسه (١/ ١٩٨) بعد النصّ السابق.
(٤) كما في "الروايتين والوجهين" (١/ ٤٣٠) و"المغني" (٨/ ١٣٥).