أحكام أهل الذمة

الفاسد لا يُملَك. فأما إذا تلف المعوض١ عند القابض وتعذَّر ردُّه فلا يقضى له بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض، فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا عوضه المحرم، وليس التحريم الذي فيه لحقهم، وإنما هو لحق الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذَّر على المستأجر ردُّ المنفعة لم يردَّ عليه المال الذي بذله في استيفائها.

وأيضًا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضررٌ في أخذ منفعته وعوضها جميعًا، بخلاف ما كان العوض خنزيرًا أو ميتةً فإن ذلك لا ضرر عليه في فواته، فإنه لو كان باقيًا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث يتمكن من صرفها في أمرٍ آخر، أعني القوة التي عمل بها.

فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تقضوا له بها إذا طالب بقبضها:

قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردّها، كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض [لم نحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض]٢ لم نحكم بالرد، لكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة؛ لأنه كان معتقدًا لتحريمها بخلاف الكافر. فإذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرَّطتَ حيث صرفتَ قوتك

  1. (١) كذا في الأصل. وفي "الاقتضاء": "المقبوض".
  2. (٢) الزيادة من "الاقتضاء" ليستقيم السياق.
393

في عمل محرمٍ، فلا يقضى له بالأجرة. فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضُوا لي بردِّه، فإنه قبض مني باطلًا، قلنا له: أنت دفعته بمعاوضةٍ رضيتَ بها، فإذا طلبتَ استرجاع ما أخذ منك فاردُدْ إليه ما أخذته منه، فإن في بقائه معه منفعةً له.

فإن قال: قد تعذَّر ردُّ المنفعة التي استوفيتُها منه.

قيل له: فلا يجمع لك بين ما استمتعتَ به من منفعته وبين العوض الذي بذلتَه فيها.

فإن قال: أنا بذلتُ ما لا يجوز بذله، وهو أخَذَ ما لا يجوز أخذُه.

قيل: وهو بذل لك من منفعته ما لا يجوز له بذله، واستوفيتَ أنت ما لا يجوز استيفاؤه، فكلاكما سواءٌ، فما الموجب لرجوعك عليه، ولا يفوت عليك شيء، وتفوت١ المنفعة عليه، وكلاكما راضٍ بما بذل مستوفٍ لعوضه؟

فإن قال: ما بذلتُه أنا عينٌ يمكن الرجوع فيها فيجب، وما بذلَه منفعةٌ لا يمكن الرجوع فيها.

[قيل:]٢ إذا أمكن الرجوع في معوَّضها الذي بذلت في مقابلته، أو إذا لم يمكن: الأول مسلَّم، والثاني هو محل النزاع، فكيف يُجعل مقدمةً من

  1. (١) في الأصل: "وتفويت". والمثبت يقتضيه السياق.
  2. (٢) زيادة ليستقيم السياق.
394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي