الخلال١: باب الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه، ثم ذكر عن المرُّوذي٢ أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي وفيها محاريب٣؟ فاستعظم ذلك، وقال نصراني؟! لا تباع، يضرب فيها الناقوس وينصب فيها الصُّلبان! وقال: لا تباع من الكافر، وشدَّد في ذلك.
وعن أبي الحارث٤ أن أبا عبد الله سُئل عن الرجل يبيع داره، وقد جاءه نصراني فأرغبه وزاده في ثمن الدار، ترى أن يبيع منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي؟ قال: لا أرى له ذلك، يبيع داره من كافرٍ يكفر فيها؟ يبيعها من مسلم أحبُّ إليَّ. فهذا نصٌّ على المنع.
ونقل عنه إبراهيم بن الحارث٥: قيل لأبي عبد الله: الرجل يُكرِي منزلَه من الذمي ينزل فيه وهو يعلم أنه يشرب فيه الخمر ويشرك فيه؟ فقال: ابن عونٍ كان لا يُكري إلا من أهل الذمة، يقول: يُرعِبهم. قيل له: كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا؟ قال: لا، ولكنه أراد أنه كره أن يُرعِب المسلمين، يقول: إذا جئتُه أطلب الكراء من المسلم أرعبته، فإذا كان ذميًّا كان أهونَ عنده. وجعل أبو عبد الله يعجب من ابن عونٍ فيما رأيت.
(١) في "الجامع" (١/ ٢٠٠).
(٢) المصدر نفسه (٣٤٥).
(٣) المقصود بها الأماكن التي تخصَّص لصلاة التطوع وصلاة النساء في المنزل.
(٤) "الجامع" (٣٤٦).
(٥) المصدر نفسه (٣٤٢).
وهكذا نقل الأثرم سواءً، ولفظه: "قلت لأبي عبد الله"١. ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها غالبًا٢.
ونقل عنه مهنا٣: سألت أحمد عن الرجل يكري المجوسيَّ داره أو دكَّانه وهو يعلم أنهم يُرْبُون٤؟ فقال: كان ابن عونٍ لا يرى أن يكري المسلم، ويقول: أُرعِبهم في أخذ الغلّة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين.
قال الخلال٥: كل من حكى عن أبي عبد الله في الرجل يُكرِي داره من ذمي فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عونٍ، ولم يُنقَل لأبي عبد الله فيه قول، وقد حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبًا بقول ابن عونٍ. والذين رووا عن أبي عبد الله في المسلم يبيع داره من الذمي أنه كره ذلك كراهيةً شديدةً. فلو نُقِل لأبي عبد الله قول في السكنى كان السكنى والبيع عندي واحدًا. والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه؛ لأنه يكفر فيها وينصِب الصُّلبان وغير ذلك. والأمر عندي أن لا يباع منه ولا يُكرى لأنه معنى واحدٌ.
قال٦: وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: سئل أبو عبد الله
(١) كما في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٢٢).
(٢) هذا أيضا كلام شيخ الإسلام في المصدر السابق.
(٣) "الجامع" (٣٤٤).
(٤) كذا في الأصل، وفي "الجامع" و"اقتضاء الصراط": "يزنون".